الأحد، 24 سبتمبر 2017

الحلقات 1 - 2 - 3



الحلقة 1 



في أحَد الأيام، يحدُثُ أن تكون هنالك حياة. رجُلٌ -مثلًا- في أفضل صحة، ليس مُسِنًا حتى، وبلا تاريخٍ مع المرض. يبدو كل شيءٍ له كما كان، وكما سيكونُ دومًا. يمضي من يومٍ إلى آخر، معتنيًا بشؤونه الخاصة، حالمًا فقط بالحياة الممتدة أمامه. و حينها، بغتةً، يحدُثُ أن يكون هنالك مَوت. يُتيحُ رجلٌ لتنهيدةٍ صغيرةٍ أن تخرج منه، ينهارُ على مقعده، إنه الموت. تلك البغتَة لا تترك متسعًا لاستيعاب ما حدث، لا تعطي الذهنَ فرصةً للبحث عن كلمةٍ واحدة قد تُواسيه. لا يبقَ معنا شيءٌ سوى الموت، الحقيقة التي لا يمكن تبسيطها عن فنائنا. نستطيعُ أن نرضى و أن نُسلِّم بالموت بعد طول مَرَض. و قد نعزو الموت في حوادثَ غير مقصودة إلى القدر. لكن أن يموتَ رجُلٌ بلا سببٍ واضحٍ، أن يموت فقط لأنه رجُل، فذاك يُقرّبنا من الحَد الخفي بين الحياة و الموت، حتى لا يعود بوسعنا أن نعرف في أيّ جانبٍ نحن. تصيرُ الحياةُ الموتَ، و يبدو لكأن هذا الموت قد امتلك هذه الحياة إلى الأبد. الموتُ بلا إنذار.. و بكلماتٍ أخرى: تتوقف الحياة. و بإمكانها أن تتوقف في أيّة لحظة.

وصلتني أخبارُ وفاة أبي قبل ثلاثة أسابيع. كان صباحَ الأحد، و كنتُ في المطبخ أُعدُّ الإفطار لإبني الصغير دانيال. زوجتي في الطابق العلوي لا تزالُ في الفراش، دافئةً تحت الأغطية، تتنعّمُ في السّاعات الإضافية من النوم. الشتاءُ في البلاد: عالمٌ من السكون، من دخان الحطب، من البياض. كان ذهني مشحونًا بتصوراتٍ حول القطعة التي أمضيتُ ليلَ البارحة و أنا أكتبها، و قد كنتُ أتطلّعُ للظهيرة، وقتَ أن يكون بإمكاني العودة للعمل عليها. ثمّ رنّ الهاتف. أدركتُ فورًا بأن هناك خطبًا ما. لا يتصلُ أحدٌ في الساعة الثامنة من صباح أَحَد إلا لإيصال أخبارٍ لا يمكن تأجيلها. الأخبار التي لا يمكنها الانتظار هي دائمًا أخبارٌ كريهة.

لم أستطع تكوينَ فكرةٍ جيّدةٍ واحدة.

و حتى قبل أن نحزم حقائبنا استعدادًا للقيادة لثلاثة ساعات نحو نيوجيرسي، عرفتُ أنني لابد و أن أكتب عن أبي. لم تكن لديّ خطة، ولا فكرة محدّدة عن معنى ما عزمتُ عليه. لا أستطيعُ حتى أن أتذكر اتخاذي لقرارٍ ما بهذا الشأن، لقد كانَ هناك ببساطة.. حتميّة، إلتزامٌ بدأ بفرض نفسه عليّ منذ اللحظة التي أُعطيتُ فيها أخبار الوفاة. فكّرتُ: رحلَ أبي. و إذا لم أتصرف بشكل سريع، ستتلاشى حياته بأكملها معه.

بالنظر للوراء الآن، حتى لو من مسافة قصيرة جدًا كثلاثة أسابيع، أجد أن ردّة فعلي كانت مُريبة. كنت أتخيّل دائمًا أن الموت سيُفقدني القدرة على الشعور، سيشلّني بالأسى. أمّا الآن و قد حدث ما حدث، فإنني لم أذرف دمعًا، لم أشعر و كأن العالم قد تهاوى من حولي. و بطريقة مستغربة، كنت مستعدًا بشكلٍ لافتٍ لتقبّل هذا الموت، بالرغم من بغتته. الذي شوّشني حقًا كان شيئًا آخر، شيئًا لا علاقة له بالموت أو باستجابتي له: اكتشافي بأن أبي لم يخلّف أيّ أثر.

لا زوجة لديه، لا أسرة تعتمد عليه، و لا أحد قد تتبدّل حياته بغيابه. صدمةٌ استمرّت للحظة قصيرة، ربما، طالت أصدقاءه المتناثرين، أفاقوا بقَدر ما كان من فكرة الموت الذي يتنزّه بينهم، بقَدر ما كان من فقد صديقهم، تلتها برهةً قصيرة من الحداد، ثم لا شيء. و أخيراً، سيبدو كما لو أنه لم يعش يوماً على الإطلاق.

كان غائباً على الدوام حتى قبل رحيله، و قد تعلّم المقرّبون منه منذ وقتٍ بعيدٍ على تقبُّل غيابه، و على اعتبار ذلك خاصيّة جوهريّة لوجوده. الآن و قد رحل، فلن يكون صعباً على العالم أن يستوعب حقيقة أنه غاب إلى الأبد. قامت طبيعة حياته بتهيئة العالم لموته -كانت نوعاً من الموت الاستباقي- و إذا و متى ما تمّ استذكاره، فسيكون ذلك بشكل باهت، بشكلٍ خافتٍ لا أكثر.

خالٍ من الشغف نحو شيء ما، أو شخص، أو حتى فكرة. يعجزُ، أو ليس راغباً في كشف نفسه تحت أي ظرف، تَمكّن من الإبقاء على مسافة من الحياة، ليتجنب الانغمار في سرعة الأشياء. تناولَ الطعام، ذهبَ للعمل، لديه أصدقاء، لَعِبَ التنس، و في كل ذلك لم يكن هو هناك. في الأعماق، الشعور الأكثر رسوخاً، كان رجلاً غير مرئي. خفيٌّ عن الآخرين، و على الأرجح خفيٌّ عن نفسه أيضاً. لو كنتُ -في حياته- أبحثُ عنه، لو كانت محاولاتي مستمرّةً لأجد الأب الذي لم يكن هناك. الآن و قد مات، لا زلتُ أشعرُ بأن عليّ أن أستمر في البحث عنه. لم يغيّر الموتُ شيئاً. الفرق الوحيد الذي حدث هو أن الوقت قد نفد مني.

عاشَ وحيداً لخمسة عشر سنة. عنيداً، غامضاً، لكأنّه محصّنٌ من العالم. لم يكن يبدو كرجلٍّ يحتلُّ حيّزاً من الفراغ، و إنما كتلة من حيّزٍ منيعٍ على هيئة رجل. يرتدُّ العالم عنه، يتهشّم أمامه، و أحياناً يلتصقُ به لكنه أبداً لم يخترقه. لخمسة عشر عاماً يسكن مثل شبحٍ بيتاً شاسعاً، لوحده في كل شيء، و في ذاك البيت قد مات.

عِشنا هناك لفترةٍ قصيرة كعائلة أبي، أمي، أختي، و أنا. بعد انفصال والديّ، تبعثرالجميع: شرعت أمي في حياةٍ جديدة، مضيتُ أنا للكليّة، و بقيت أختي مع أمي حتى، هي أيضاً، ذهبت للمدرسة. بقي أبي فقط ماكثاً هناك. بسبب بندٍ في اتفاقيّة الطلاق ينُصّ على أن أمي لا تزال تمتلك حصّة من البيت و أنها ستحصُل على نصف المال المدفوع متى ما بِيع (مما جعل أبي يمانع البيع)، أو لرفضٍ سريٍّ لأن يُغيّر حياته ( لكي لا يبدو للعالم أن الانفصال قد أثّر عليه بشكلٍ لا يمكنه التحكم به)، أو ببساطةٍ لكسله، لفتورٍ في المشاعر منعه من اتخاذ أي قرار، مكث هناك، يعيشُ وحيداً في بيتٍ كان بإمكانه أن يؤوي ستة أو سبعة أشخاص.

كان مكاناً يُثير الإعجاب: عتيقٌ، مبنيٌّ بإحكام، على طراز تيودر إنكلترا، بنوافذ مشبّكة، سقفٌ صخري، و غرفٌ بمعايير ملكيّة. كان شراءه خطوة كبيرة لوالديّ، علامة على نمو ثروتهم. إنه في أفضل جِوارٍ في البلدة على الرغم من كونه مكاناً غير مسلٍّ للعيش (للأطفال خصوصاً)، إذ أثقَلَنَا البرستيج بكَثرَة المحاذير. و نظراً لواقع أنه انتهى لقضاء ما بقي من حياته في ذاك المنزل، كانت مفارقةً ساخرة أن أبي رفض في البداية أن ينتقل إليه. لقد تذمّر من سعره (ثيمة مستمرة)، و عندما لانَ أخيراً، تمّ ذلك على مضض و بسخريةٍ مُرّة. و مع ذلك، دفع قيمته نقداً، كلها دفعة واحدة. بلا رهن، ولا أقساط شهرية. كان العام 1959م، و كانت حركة التجارة على خير ما يرام بالنسبة له.

رجُلٌ معروفُ العادات دوماً، يمضي إلى عمله مبكراً في الصباح، يعمل بجد طوال اليوم، بعدها، عندما يعود للمنزل (في تلك الأيام التي لم يعمل فيها لوقت متأخر)، يأخذ قيلولة قصيرة قبل العشاء. في وقتٍ ما خلال أسبوعنا الأوّل في المنزل الجديد، و قبل انتقالنا تماماً إليه، ارتكب خطأً من نوعٍ غريب. عِوَضَ أن يقود سيارته للبيت عائداً إلى المنزل الجديد بعد العمل، مضى مباشرةً إلى القديم، كما فعل لسنواتٍ خلت، أوقف سيارته بجانب الطريق، دلف المنزل عبر الباب الخلفي، صعد الدرج، دخل غرفة النوم، استلقى على الفراش، و استغرق في النوم. نامَ لساعةٍ تقريباً. لا حاجة للقول بأن سيدة المنزل عندما عادت و رأت رجلاً غريباً ينام على فراشها، تفاجأت قليلاً. لكن خلافاً للمتوقع، لم يهرع أبي قافزاً للهرب بعيداً. اتضح في النهاية سوء الفهم، و ضحك الجميع بطيبة. حتى الآن، مع كل ما حصل، ليس بوسعي دفعَ شعوري بأن هذه القصة مثيرة للشفقة. إنه أمرٌ ليس بذي بال أن يقود رجلٌ سيارته نحو منزله القديم خطأً، لكنه أمرٌ آخرٌ تماماً، في اعتقادي، عدم ملاحظته أن هناك ما تبدّل في المنزل. حتى في أشدّ الأذهان تعباً و تشويشاً، هناك زاويةٌ من النقاء، الاستجابة الفطرية، تُعطي الجسدَ حِسّاً يُحدّد موقعه. على أحدهم أن يكون غير واعٍ تقريباً لكي لا يرى، أو على الأقل لا يشعر، بأن المنزل لم يعد كما كان. العادة، كما تقول عنها إحدى شخصيات بيكت: “مفسدة عظيمة”. و إذا لم يعد الذهن قادراً على الاستجابة للدليل الحسّي، مالذي سيفعله عندما يواجَه بالدليل العاطفي؟.

تقريباً، أثناء تلك الخمسة عشر سنة، لم يغيّر شيئاً في المنزل. لم يُضف أيّ أثاث، و لم يُزِل أيّاً منه. لون الجدران على حاله، لم يُبدّل أصيصَ الزهور و لا الأحواض، و حتى أنه لم يرمِ فساتين أمي- قام بتخزينها في العِليّة. شساعة المكان جعلته في حِلٍّ من تحريك أيٍّ مما يحتويه. لم يكن ذلك بسبب التعلُّق بالماضي و محاولة الحفاظ على المنزل كمتحف. في المقابل، بدا وكأنه ليس واعياً بما كان يفعل. ما كان يحكمه هو الإهمال، لا الذكريات، و حتى كونه مضى في العيش في ذاك المنزل كل هذه السنين، عاشَ فيه كما قد يفعل الغريب عنه. و بمُضيّ السنين، كان الوقت الذي يقضيه فيه يقل و يقل. تناول حوالي كل وجباته في المطاعم، رتّبَ مواعيده الاجتماعية ليصير مشغولاً كل ليلة، و بالكاد استخدم المنزل كمكانٍ لأشياء غير النوم. مرّةً، قبل أعوامٍ عديدة، صادَفَ أنّني ذكرتُ له كم من المال جنيته من كتابتي و ترجمتي خلال العام المنصرم (مبالغ زهيدة بكل المقاييس، لكنها أكثر مما حصلتُ عليه من قبل)، فكانت استجابته السعيدة هي أنه كان يصرف مالاً أكثر من ذلك، فقط لتناول الطعام خارج البيت. الأمرُ هو: لم تكن حياته مركّزة حول المكان الذي عاشَ فيه. كان منزله فقط محطة من محطاتٍ كثيرة في وجوده القَلِق، المحلول الوثاق. و هذا الافتقار لمكانٍ رئيس كان له الأثر في تحويله لمُتجوّلٍ دائم، سائحٍ في حياته نفسها. لا يُشعَرُ أبداً بإمكانيّة أن يستقر.





الحلقة 2 



مع ذلك، بدا المنزل ذا أهمية بالنسبة لي، فقط في مدى الحالة التي تم إهماله فيها. إنه أعراض حالة ذهنية انعكست ــ وإلا لتعذر معرفتها ــ على الأشياء المحسوسة لسلوك غير واع. صار المنزل صورة مستعارة لحياة أبي، استعارة متقنة ومخلصة لعالمه الباطني. وبالرغم من إبقائه على المنزل مرتبا ومحفوظا أكثر أو أقل مما كان عليه، فقد خضع تدريجيا وبطريقة يتعذر اجتنابها لعملية تفسخ. كان دقيقا، يضع الأشياء في مكانها المخصص لها، لكن لا شيء تم الاعتناء به، لا شيء تم تنظيفه أبدا. الأثاث، خصوصا في الغرف التي نادرا ما يزورها، مطمور بالغبار، وشباك العناكب، علامات الإهمال التام؛ تتلبس قطع من طعام محروق فرن المطبخ للحد الذي صار إنقاذه منها مستحيلا؛ في الخزانة، قابعة أحيانا على الرفوف لسنوات: علب طحين موبوءة بالحشرات، بسكويت منتهي الصلاحية، أكياس سكر تحولت إلى كتل صلبة، قنان من شراب القطر لم يعد بالإمكان فتحها. متى ما قام بإعداد وجبة لنفسه، كان يغسل الصحون فورا وبدأب ــ لكنه يشطفها فقط، لا يستعمل الصابون قط؛ لذا فقد كان كل كوب، كل صحيفة، كل صحن مطليا بغشاء دهني داكن. عبر أرجاء المنزل: ظلال النوافذ، وقد أبقى عليها مغلقة طوال الوقت، صارت رثة لدرجة أن أخف سحبة لفتحها قد تقتلعها. انبثقت التسريبات ولطخت الأثاث، لم يبعث السخان دفئا كافيا أبدا، ودش الاستحمام لا يعمل. صار المنزل مهترئا، التجول فيه يبعث على الاكتئاب تشعر وكأنك تدلف لبيت رجل أعمى.

أصدقاؤه وأفراد من عائلته، الذين استشعروا جنون طريقته في العيش في ذاك المنزل، استمروا في حثه على بيعه والانتقال لأي مكان آخر. لكنه نجح دائما في صدهم بمراوغة «أنا سعيد هنا» أو «المنزل يناسبني جدا». لكن، في النهاية، قرر فعلا الانتقال. عند آخر المطاف. وفي آخر اتصال هاتفي قمنا به، قبل عشرة أيام من وفاته، أخبرني أن المنزل قد بيع وأن موعد إقفاله هو الأول من فبراير، على بعد ثلاثة أسابيع. أراد أن يعرف ما إذا كان في المنزل ما أستطيع الاستفادة منه، ووافقت على القدوم لزيارته مع زوجتي ودانيال في أول يوم مفتوح لعرض حاجياته للعامة. مات قبل حصولنا على فرصة للقيام بذلك.

تعلمت؛ لا شيء أكثر رهبة من مواجهة أغراض رجل مات. الأشياء تهمد: معناها فقط في دورها خلال حياة من يستخدمها. وعندما تقف تلك الحياة، تتغير الأغراض، حتى لو بقيت كما كانت. إنها هناك، وفي نفس الوقت ليست هناك: أشباح ملموسة، محكومة بالبقاء على قيد الحياة في عالم لا تنتمي له. ما الذي يمكن لواحد أن يتأمله ــ على سبيل المثال ــ في ثياب تكفي لملء خزانة، تنتظر بصمت أن يتم ارتداؤها مرة أخرى من قبل الرجل الذي لن يعود لفتح الباب؟ أو موس حلاقة كهربائي يجلس في الحمام، لا يزال مسدودا ببقايا شعر الذقن من الحلاقة الأخيرة؟ أو درزن من أنابيب أصباغ الشعر مخفية في حقيبة سفر جلدية؟ ــ فجأة تفصح عن ما لا رغبة لأحد في رؤيته، لا رغبة لمعرفته. هناك إحساس بالمرارة نحوها، ونوع من الخوف. في ذاتها، لا تعني الأشياء شيئا، كأدوات طبخ لحضارة تلاشت. لكنها تقول لنا شيئا، تقف هناك لا كأدوات، ولكن كبقايا لفكرة، لإدراك، رموز الخلوة التي يتخذ فيها رجل قرارات لنفسه: هل يلون شعره؟ هل يرتدي هذا القميص أم ذاك؟ هل يحيا، أم يموت؟. ثم لا جدواها كلها بمجرد حدوث الموت.

في كل مرة أفتح فيها درجا، أو أدس رأسي في خزانة، شعرت أنني دخيل، لص يفتش أماكن سرية في عقل رجل. لازمني شعور التوقع بأن أبي سيدخل علي، سيحدق نحوي غير مصدق، ويسألني ما الذي أظن نفسي فاعلا بحق الجحيم؟. لم يكن عدلا ألا يكون بمقدوره الاعتراض. لم أكن أملك الحق لانتهاك خصوصيته.

رقم هاتف خط بعجالة خلف بطاقة عمل كتب عليها: هـ. لايمبورغ: علب قمامة من جميع الأصناف. فوتوغرافات لشهر عسل والدي في شلالات نياغرا، 1946: أمي تجلس بعصبية على رأس ثور، من أجل أخذ إحدى تلك اللقطات المسلية التي لم تكن مسلية أبدا، وإحساس مفاجئ بكيف أن العالم كان مصطنعا على الدوام، حتى فيما قبل تاريخه. درج مليء بمطارق، مسامير، وأكثر من عشرين مفك براغي. خزانة لحفظ الملفات محشوة بشيكات ملغاة منذ 1953، وبطاقات تلقيتها في عيد ميلادي السادس. ثم، مدفونة في قاع درج في الحمام: فرشاة أسنان مزخرفة بحروف كانت تعود في يوم ما لأمي، والتي لم يمسسها أو يطل عليها أحد لأكثر من خمس عشرة سنة. القائمة لا تنضب.

بعد فترة وجيزة، بدا واضحا لي أن أبي لم يفعل شيئا لتهيئة رحيله من المنزل. الإشارات الوحيدة على مغادرته الوشيكة، والتي استطعت الكشف عنها في البيت بأكمله كانت كراتين كتب قليلة ــ كتب عادية (أطالس انتهى وقتها، مقدمة للإلكترونيات تبلغ من العمر خمسين عاما، كتاب قواعد اللغة اللاتينية للمرحلة الثانوية، كتب قانون غابرة) كان ينوي التبرع بها لمؤسسة خيرية. ما عدا ذلك، لا شيء. لا صناديق فارغة تنتظر أن تملأ. لا قطع أثاث تم التصدق بها أو بيعها. لا ترتيبات مسبقة مع شركة نقل. كان الأمر وكأنه ليس قادرا على مواجهته. وعوض عن إفراغ البيت، قام ــ ببساطة ــ بتهيئة نفسه للموت. كان الموت طريقا للخروج، الهروب الشرعي الوحيد.

غير أنه لم يكن لي أنا طريق للهرب. علي أن أنهي الأمر، ولا أحد هناك لينجزه غيري. تفقدت أغراضه لعشرة أيام، نظفت المنزل، أعددته لملاكه الجدد. كان وقتا تعيسا، لكنه وقت غريب وهزلي أيضا، وقت لقرارات طائشة وغير معقولة: قم ببيعه، تخلص منه، أبعده عنك. اشترينا أنا وزوجتي زحلوقة خشبية كبيرة لدانيال ذي الثمانية عشر شهرا، وضعناها في غرفة المعيشة. كان يفرح بالفوضى: يتفقد الأشياء، واضعا غطاء الأباجورة على رأسه، قاذفا رقاقات البوكر حول المنزل، راكضا خلال المساحات الشاسعة للغرف التي يتم تفريغها تدريجيا. في الليل، نستلقي أنا وزوجتي لنشاهد أفلاما رديئة على التلفزيون، حتى تم أخذه ــ أيضا ــ بعيدا. كانت هناك مشكلة في السخانة، وإذا نسيت القيام بتعبئتها بالماء، ستنطفئ. استيقظنا في صباح ما ووجدنا أن الحرارة قد هبطت أربعين درجة. يرن الهاتف عشرين مرة في اليوم، ولعشرين مرة يوميا أقول لأحدهم إن والدي مات. لقد صرت بائع أثاث، رجل نقل، مراسلا للأنباء السيئة.





الحلقة 3 



بدأ المنزل بتشكيل سلسلة كوميدية من الأخلاق المصطنعة. هجم الأقارب علينا، سائلين الحصول على هذه القطعة من الأثاث أو تلك القطع من الأواني، محاولين الاستيلاء على بذلات أبي، مقلبين الصناديق، ويثرثرون بعيدا كالإوز. أقبل المزايدون لتفقد البضاعة (لا شيء قمتم بتنجيده، إنها لا تساوي قرشا!)، رفعوا أنوفهم، وخرجوا. اجتمع رجال القمامة بأحذية ثقيلة ونقلوا للخارج تلالا منها. عامل مصلحة المياه قرأ عداد الماء، عامل مصلحة الغاز قرأ عداد الغاز، عمال الوقود قرأوا مقياس الوقود. (أحدهم، نسيت أيهم، أعطاه أبي وقتا عصيبا لسنوات، قال لي بهمجية وتواطؤ، «لا أحب أن أقول ذلك»، ما يعني أنه قال ذلك من قبل ــ «لكن والدك كان بغيضا ورديئا». جاءت وكيلة العقار لتشتري بعض الأثاث للمالكين الجدد، وانتهى بها الأمر أن ابتاعت لها مرآة. والمرأة التي كانت تدير دكانا للتحف اشترت قبعات أمي القديمة. رجل الخردوات جاء ومعه فريق من المساعدين (أربعة رجال سود، أسماؤهم لوثر، أوليسيس، تومي برايد، وجو ساب) وحملوا عربة فيها كل شيء، من مجموعة من الحدائد وحتى مكنة التحميص المعطلة. وبحلول الوقت الذي انتهوا فيه من ذلك، لم يبق شيء. ولا حتى بطاقة بريدية. ولا حتى فكرة.

لو كانت هناك لحظة يمكن القول عنها إنها الأسوأ لي خلال تلك الأيام، فقد جاءت عندما مشيت عبر الحديقة الأمامية تحت المطر الهاطل لأرمي ملء كفي ربطات عنق تخص أبي في شاحنة المهام الخيرية. كانت هناك بالتأكيد أكثر من مئة ربطة عنق، أتذكر الكثير منها منذ طفولتي: أنماطها، أشكالها التي رسخت في وعيي المبكر، صافية صفاء وجه أبي. رؤية نفسي ملقيا بها بعيدا كالكثير من النفايات كانت شنيعة بالنسبة لي، وحينها، في الوهلة التي ألقيت بها في الشاحنة، اقتربت من الدموع. أكثر من رؤيته في نعشه نفسه وينزل داخل الأرض، فعل رمي هذه الربطات كان يمثل عندي فكرة الدفن. استوعبت أخيرا أنه مات.

بالأمس، واحدة من أطفال الجيران جاءت هنا لتلعب مع دانيال. فتاة عمرها ثلاث سنوات ونصف تقريبا، وقد علمت مؤخرا أن الناس الكبار كانوا مرة أطفالا، هم أيضا، وأن حتى أمها وأباها لديهم والدان. في لحظة ما التقطت سماعة الهاتف وشرعت في محادثة وهمية، ثم التفتت إلي وقالت، «بول، إنه والدك. يريد أن يتحدث معك». كان الأمر مروعا. ظننت أن شبحا في الجهة الأخرى من خط الهاتف، ويريد حقا التحدث إلي. استغرقت لحظات حتى أجيب. «لا،» أخيرا زال الغبش. «لا يمكن أن يكون ذاك أبي. لا يمكنه الاتصال بي اليوم. إنه في مكان آخر». انتظرت حتى أغلقت الهاتف ومشت خارج الغرفة.

في خزانة غرفة نومه وجدت مئات الفوتوغرافات ــ مخفية بعيدا في مظاريف بنية، ملصقة بالصفحات السوداء لألبومات مشوهة، متناثرة بحرية في الأدراج. من شكلها الذي كانت محفوظة عليه، اجتمعت عندي فكرة أنه لم يلق عليها نظرة أبدا، نسي تماما وجودها هناك. ألبوم كبير واحد، مغلف بجلد ثمين وطبع على غلافه ختم ذهبي ــ هذه هي حياتنا: الأوسترز. كان فارغا تماما من الداخل. أحدهم، ربما أمي، قام في وقت ما بعناء طلب هذا الألبوم، لكن لا أحد اهتم أبدا بملئه.

عدت للبيت، تأملت هذه الصور بافتتان مصاحب لنوع من الهوس. وجدت أنها لا يمكن مقاومتها، ثمينة، تساوي آثارا مقدسة. بدا وكأنها تستطيع أن تخبرني بأشياء لم أعرفها من قبل، تبوح بالذي كان من حقائق مخبأة، وقد تمعنت في كل واحدة منها بكثافة، تشربت أصغر التفاصيل، أكثر ظل لا يمكن تمييزه، حتى صارت كل الصور جزءا مني. لم أرد لشيء أن يضيع.

الموت يأخذ جسد الرجل بعيدا عنه. في الحياة، الرجل وجسده شيئان مترادفان؛ في الموت، هناك الرجل، وهناك جسده. نحن نقول، «هذا هو جسد فلان،» وكأن هذا الجسد، الذي كان مرة الرجل، لا غرضا يمثله أو يعود له، ولكنه فلان نفسه، صار بغتة ليس بذي أهمية. عندما يدخل عليك رجل الغرفة وتصافحه، لا تشعر بأنك تصافح يده، أو أنك تصافح جسده، ولكنك تصافحه هو. الموت يغير ذلك. هذا هو جسد فلان، لا هذا هو فلان. السياق يختلف تماما. نحن نتحدث الآن عن شيئين بدلا من شيء واحد، موحين بأن الرجل مستمر في الوجود، لكن فقط كفكرة، كمجموعة من صور وذكريات في أذهان أناس الآخرين. بالنسبة للجسد، فهو لا شيء سوى لحم وعظام، كومة من من مادة نقية.

اكتشاف هذه الفوتوغرافات كان أمرا مهما بالنسبة لي، إذ تبدو وكأنها تعيد تأكيد حضور أبي المادي في العالم، تهبني وهم أنه لا يزال فيه. حقيقة أن الكثير من هذه الصور لم أكن قد رأيتها من قبل، بشكل خاص تلك التي تعود لشبابه، بعثت في شعورا غريبا كأنني ألتقيه للمرة الأولى، لكأن جانبا منه للتو بدأ بالحياة. فقدت أبي. لكن وفي نفس الوقت، وجدته أيضا. طالما أبقيت هذه الصورة نصب عيني، طالما استمررت في تأملها بكامل انتباهي، كان كما لو أنه لا يزال حيا، حتى في موته. أو إذا لم يكن حيا، على الأقل ليس بميت. أو بالأحرى، عالقا بطريقة ما، محبوسا في كون لا صلة له بالموت، حيث لا يستطيع الموت أن يجد له منفذا.

لم تحدثني أغلب هذه الصور عن أي شيء جديد، لكنها ساعدت في ملء الفراغات، تأكيد انطباعات، تقديم أدلة لم توجد من قبل. سلسلة من اللقطات له كخريج بكالوريوس، مثلا، مأخوذة ربما عبر سنوات عديدة، تعطي حسابا دقيقا لعدد من جوانب شخصيته التي غمرها خلال سنوات زواجه، جانب منه لم أبدأ في ملاحظته إلا بعد طلاقه: أبي المخادع، المحب للتسلية، المبتهج. صورة بعد أخرى، يقف بجانب نساء، اثنتين أو ثلاث في العادة. في الخلفية: تلة، ملعب تنس، أحيانا بركة سباحة، أو كوخ خشبي. هذه هي الصور التي جلبها من عطلات نهاية الأسبوع إلى العديد من منتجعات منطقة كاتسكيل برفقة أصدقاء الكلية: يلعب التنس، يقضي وقتا ممتعا مع البنات. استمر على هذه الحال حتى بلغ الثالثة والأربعين.

كانت حياة ناسبته، وأستطيع أن أرى الآن لماذا عاد لها بعد انكسار زواجه. بالنسبة لرجل لا يجد الحياة محتملة إلا بأن يبقى على سطح نفسه، من الطبيعي أن يرضى بتقديم لا شيء سوى مظهره الخارجي للآخرين. هناك حاجات قليلة لقضائها، ولا التزام مطلوب. الزواج، في اليد الأخرى، يغلق الباب. وجودك محبوس في مساحة ضيقة، حيث يفرض عليك بشكل دائم أن تبوح بنفسك ــ ولهذا، أنت مطالب دوما بالنظر لداخلك، لتختبر أعماقك. عندما يكون الباب مفتوحا، لا توجد أية مشكلة هناك: تستطيع الهرب دائما. تستطيع اجتناب المصارحات غير المرغوبة، سواء مع نفسك أو مع آخر، ببساطة تمشي بعيدا.

قدرة أبي على المراوغة لا حد لها تقريبا. لأن ميدان الآخرين لم يكن حقيقيا بالنسبة له، توغله في ذاك الميدان يتم بجزء من نفسه كان يعتبره غير حقيقي بشكل مساوٍ، ذات أخرى قام بتدريبها كممثل ينوب عنه في الفراغ الكوميدي للعالم على اتساعه. هذا النائب الذاتي كان بشكل خاص مثيرا، طفلا مفرط النشاط، تلفيقا لحكايات طويلة. لا يمكن أن يأخذ شيئا على محمل الجد.

لأن لا أمر مهم، أباح لنفسه حرية فعل أي شيء يرغب به (التسلل لأندية التنس، التظاهر بأنه ناقد مطاعم ليحصل على وجبة مجانية)، والعذوبة التي مارسها لينجز انتصاراته تلك، كانت تحديدا ما جعل تلك الانتصارات لا معنى لها. مع امرأة مغرورة، سيكتم حقيقة عمره، يختلق قصصا عن صفقات عمل، يتحدث عن نفسه بشكل ملتو ــ بضمير الشخص الثالث، عن أحد معارفه (لدي صديق يعاني من هذه المشكلة، ما الذي تظنين أن عليه فعله حيالها…؟). ومتى ما ضاق الوضع عليه، متى ما دفع إلى حافة أن يضطر للكشف عن نفسه، سيتملص خارجا بالكذب. في النهاية، تجيء الكذبة بشكل تلقائي ويتم تضمينها لأجل ذاتها. كان المبدأ هو أن يقال أقل قدر ممكن. إذا لم يعرف الناس أبدا أي حقيقية عنه، فلن يتمكنوا إذا من الانقلاب عليه واستخدام ما عرفوه ضده لاحقا. الكذبة كانت أسلوبا لتأمين الحماية. الذي رآه الناس عندما ظهر أمامهم، بالتالي، لم يكن هو في الواقع، ولكنه شخص قام باختراعه، مخلوق مصطنع يقدر أن يتلاعب به من أجل التلاعب على الآخرين. هو في ذاته بقي خافيا، صانع عرائس يحرك خيوط أناه الأخرى من الظلام، من مكان منزوٍ خل ف الستارة.



خلال آخر عشرة أو اثني عشر عاما من حياته، كانت لديه صديقة ثابتة واحدة، وكانت هي المرأة التي خرجت برفقته للعلن، التي لعبت دور الرفيقة الرسمية. ومن حين لآخر دار حديث مبهم حول الارتباط (عند إصرارها)، وافترض الجميع أنها المرأة الوحيدة التي له علاقة بها. بعد وفاته، مع ذلك، نساء أخريات بدأن بالظهور. هذه أحبته، و تلك عشقته، وأخرى كانت على وشك الزواج به. صديقته الرئيسية أصيبت بصدمة عندما علمت بأمر الأخريات: لم يتنفس أبي أية كلمة عنهن لها. قام ببث كل واحدة منهن في قناة مختلفة، وظنت كل واحدة منهن أنها حازت عليه بشكل كامل. وكما اتضح، لا أحد منهن عرفت أقل شيء عنه. لقد تمكن من مراوغتهن جميعا.

الحلقات من 4 إلى 7



الحلقة 4 - 5 



عزلة، لكن ليست بمعنى أن تكون وحيدا. ليست على طريقة ثورو، مثلا، حيث نفى نفسه ليدرك أين كان؛ ليست عزلة على طريقة يونس، يصلي للخلاص في بطن حوت. لكنها عزلة بمعنى التخلي، ألا يضطر للنظر لنفسه، ليس عليه أن ينظر نحو ذاته كما قد يراها أي أحد آخر. 

ليس التحدث إليه سوى محاولة تجريبية. فإما أن يكون ذهنه غائبا، كما هو على الدوام، أو أنه يقاطعك بمزحة جافة، و ذاك شكل آخر للشرود و حسب. الأمر أشبه بأن تقوم بما في وسعك لتكون مفهوما لرجل عجوز أصابه الخرف. تتحدث، ولا استجابة هناك، أو أنها استجابة غير ملائمة، تكشف عن أنه لم يكن يتابع تدفق كلماتك. في السنوات الأخيرة، متى ما كلمته عبر الهاتف، أجد نفسي أتحدث أكثر من المعتاد، أصير بالرغم عني ثرثارا، أدردش باستمرار في محاولة عقيمة لجذب انتباهه، لأثير أي ردة فعل كانت. و بعد حين، أشعر كم كنت غبيا لكوني قد أجهدت نفسي في المحاولة.

لم يدخن، و لم يشرب. ما من جوع للمتع الحسية، ما من عطش للمتع الفكرية. تضجره الكتب، و كان نادرا ذلك الفيلم، أو تلك المسرحية، التي لم تسلمه للنوم. و حتى في الحفلات، ستجده يكافح لإبقاء عينيه مفتوحتين، و في أكثر الأحيان مما عداها سيخضع، يغفو على كرسيه و الأحاديث تدور من حوله. تشعر وكأن لا شيء يملك القدرة أبدا على أن يقتحمه، كأن لا حاجة له لأي شيء مما يعرضه العالم.

في الرابعة و الثلاثين، تزوج. في الثانية و الخمسين، انفصل. و بنظرة أولى، استمر الزواج لسنوات، لكنه في الواقع لم يستمر لأكثر من عدة أيام. لم يكن أبدا رجلا متزوجا، ولا رجلا مطلقا، بل كان طوال حياته ذاك الشاب العازب الذي صادف أن أخذ فترة استراحة فاصلة عبر الزواج. بالرغم من أنه لم يتهرب من واجباته الظاهرية كزوج، (كان وفيا، وفر ما يستطيعه لزوجته و أبنائه، حمل على أكتافه كل مسؤولياته)، لكن كان من الواضح أنه لم يفصـل أبدا للعب هذا الدور، هو ببساطة لا يملك الموهبة اللازمة له.

كانت أمي في الواحدة والعشرين من عمرها فقط عندما تزوجته. كان سلوكه في فترة التودد محتشما. لا مقدمات جريئة، لا بدايات تكتم الأنفاس لرجل مستثار. يمسكان بأيادي بعضهما من حين لآخر، يتبادلان بأدب قبلة تمني ليلة سعيدة. الحب، بكلمات أخرى، لم يكن مصرحا به من قبل أي واحد منهما. و عندما حل وقت العرس، كانوا إلى حد بعيد غرباء. 

لم يمضي الكثير من الوقت حتى أدركت أمي خطأها. حتى قبل نهاية شهر العسل (تم توثيق شهر العسل كاملا في الفوتوغرافات التي وجدتها: كلاهما يجلسان مع بعضهما، على صخرة بمحاذاة بحيرة ساكنة تماما، مسار واسع لضوء الشمس خلفهما متجها إلى منحدر أشجار الصنوبر تحت الظلال، ذراعا أبي ملتفتان حول أمي، و كلاهما ينظران لبعضهما، يبتسمان بحياء، كأن المصور جعلهما يبقيان على تلك الخدعة للحظة طويلة جدا). حتى قبل نهاية شهر العسل، أدركت أمي أن الزواج لن ينجح. ذهبت لأمها باكية و أخبرتها بأنها ستهجره. بطريقة ما، استطاعت أمها إقناعها بأن تعود و تعطيه فرصة أخرى. و عند ذاك، و قبل أن يهدأ الغبار، وجدت نفسها حبلى. و بغتة صار الوقت متأخرا على فعل أي شيء.

أفكر بذلك أحيانا: كيف حبلت بي أمي في منتجع شلالات نياغرا لمن يقضون شهر عسلهم. ليس لأهمية المكان الذي حدث ذلك فيه، و لكنها فكرة أنه كان عناقا خال من الشغف حتما، أعمى، ملاطفات لا بد منها تحت شراشف الفندق الباردة، تلك الفكرة فشلت في إخضاعي لأعي أنني كنت حدثا طارئا. شلالات نياغرا. أو خطر ما قد ينتج عن التحام جسدين. و عندها أنا، مخلوق قزم و عشوائي، الأمر أشبه بشخص متهور في برميل يرمي بنفسه من فوق الشلالات.

لاحقا، أكثر بقليل من ثمانية أشهر، في صباح يوم ميلادها الثاني و العشرين، أفاقت أمي و أخبرت أبي بأن الطفل سيولد. غير معقول، قال، ولادة هذا الطفل تحتاج لثلاثة أسابيع أخرى- و ذهب فورا للعمل، تاركا إياها بلا سيارة.

كانت تنتظر. ظنت أنه ربما يكون على حق. انتظرت أكثر قليلا، ثم اتصلت بزوجة أخيها وسألتها أن توصلها للمستشفى. قامت خالتي بمرافقة أمي طوال اليوم، تتصل بأبي كل ساعة طالبة منه المجيء. لاحقا، كان يقول، أنا مشغول الآن، سأكون عندكم عندما أستطيع.

أمي انتظرت أبي ليظهر، لكنه لم يصل حتى صباح اليوم الثاني- ترافقه أمه، التي أرادت أن تفحص حفيدها السابع. زيارة قصيرة و متوترة، ثم انطلق مرة أخرى للعمل.

لقد بكت، بالطبع. بعد كل شيء، كانت شابة، و لم تتوقع ألا تعني ولادتها إلا القليل بالنسبة له. لكن لم يكن بمقدوره أبدا أن يفهم مثل هذه الأمور. لا في البداية، ولا في النهاية. لم يكن محتملا بالنسبة له أن يكون في المكان الذي كان فيه. طوال حياته، كان في مكان آخر، بين هنا و هناك. لكنه حقا لم يكن هنا أبدا، و حقا ليس هناك على الإطلاق.

بعد ثلاثين عاما، تكررت هذه الدراما الصغيرة. هذه المرة كنت هناك، شهدت كل شيء بعيني هاتين.

بعد أن ولد إبني، ظننت: بالتأكيد سيسعده ذلك. ألا يسعد كل رجل بأن يصبح جدا؟.

أردت أن أراه يحنو على الرضيع، لأجله هو، كي يقدم دليلا على أنه قادر على التعبير عن شعور ما- أنه كان، بعد كل شيء، يملك مشاعرا كباقي الناس. و إذا استطاع أن يظهر انجذابا لحفيده، ألن تكون تلك طريقة غير مباشرة لإظهار وده لي؟ أنت لا تكف عن الجوع لحب أبيك، حتى بعد أن تكبر.

لكن حينها، لا يتغير الناس. في المحصلة، رأى أبي حفيده لثلاثة أو أربعة مرات، ولم يكن قادرا في أي وقت على تمييزه من بين حشد الأطفال المجهولين الذين يولدون في العالم كل يوم. عمر دانيال كان أسبوعين فقط عندما ألقى بنظرة عليه لأول مرة. أستطيع تذكر ذاك اليوم بوضوح: يوم أحد شديد القيظ في نهاية شهر يونيو، طقس يتموج بالحرارة، هواء البلدة رمادي من الرطوبة. كان أبي يتمشى بسيارته عندما أوقفها لرؤيته زوجتي تضع الصغير في العربة ليأخذ قيلولة، فمر علينا لإلقاء التحية. دس رأسه في العربة لعشر دقيقة، ثم انتصب و قال، “طفل جميل، بالتوفيق” و أكمل طريقه داخلا البيت. يمكنه أيضا أن يتحدث بنفس الطريقة عن طفل غريب صادفه في طابور السوبرماركت. و لبقية زيارته ذلك اليوم، لم يلق نظرة على دانيال، و لم يسأل لمرة واحدة، أبدا، أن يحمله.

كل ذاك، مجرد أمثلة.

من المستحيل، أدركت، الدخول لعزلة الآخر. إذا كان صحيحا أنه يمكننا دائما معرفة إنسان آخر، حتى ولو لدرجة بسيطة، ستكون فقط إلى الحد الذي ينوي أن يجعل نفسه معروفا عنده. سيقول رجل: أشعر بالبرد. و آخر قد لا يقول شيئا، لكننا سنراه يرتجف. بأية طريقة، سنعرف أنه يشعر بالبرد. و لكن ماذا عن الرجل الذي لا يقول شيئا ولا يرتجف؟ حيث كل شيء مستعص، حيث كل شيء محكم و غامض،لا يستطيع المرء فعل شيء سوى المراقبه. لكن أن يدرك المرء ما يراه هو أمر آخر تماما.

لا أريد أن أفترض شيئا.

لم يتكلم أبدا عن نفسه، لم تتراءى لنا أبدا معرفته بأن هناك أمورا يستطيع الحديث عنها. كان الوضع و كأن حياته الداخلية استعصت حتى عليه.

لم يستطع الحديث عنها، لذا، تخطاها بصمت.

إذا لم يكن من شيء هناك، حينها، إلا الصمت، أليست وقاحة مني أن أبوح؟ و أيضا: لو كان هناك أي شيء أكثر من الصمت، هل كنت أحسست بالحاجة للبوح في المقام الأول؟

خياراتي محدودة. أستطيع البقاء ساكتا، أو أستطيع الحديث عن أشياء لا يمكن الوثوق بها. و على أقل تقدير، أريد أن أضع الوقائع، أعرضها بأكبر صراحة ممكنة، و أجعلها تقول ما لديها. و لكن حتى الوقائع قد لا تقول الحقيقة دائما.

كان صلبا محايدا على السطح، يمكن التنبؤ بسلوكه بشكل قاطع، لدرجة أن كل شي فعله شكل لنا مفاجأة. لا يستطيع المرء تصديق أن هناك رجلا مثله- مفتقر للمشاعر، يريد القليل القليل من الآخرين. و إذا كان لا وجود لرجل كهذا، يعني أنه يوجد رجل آخر، رجل مختبئ داخل الرجل الذي لم يكن هناك، و الحيلة هنا إذا هي أن تعثر عليه، بشرط أن يكون هو هناك كي يمكن العثور عليه.

من أجل الاعتراف، منذ البداية تماما، أن أساس هذا المشروع هو الفشل.

ذكرى مبكرة: غيابه. كان في السنوات الأولى من حياتي يذهب للعمل في الصباح الباكر قبل استيقاظي، ولا يعود للمنزل إلا بعد وقت طويل من وضعي على السرير. كنت ابن أمي، و عشت في مدارها. كنت قمرا صغيرا يدور حول أرضها الضخمة، ذرة في مجالها المغناطيسي، و تحكمت بالمد و الجزر، الطقس، قوى المشاعر. كان تحذيره لها هو: لا تهتمي به كثيرا، ستفسدينه. لكن صحتي لم تكن على ما يرام، و استخدمت هذه العلة لتبرر اهتمامها المسرف بي. أمضينا وقتا طويلا مع بعضنا، هي في وحدتها و أنا في تشنجاتي، منتظرا بصبر في مكاتب الأطباء لأحد ما كي يسكن الاضطراب الذي يثور باستمرار في معدتي. حتى حينها، كنت ألتصق بهؤلاء الأطباء بطريقة يائسة، أردتهم أن يحضنونني. مبكرا من البداية، يبدو لي، كنت أبحث عن أبي، أبحث بشكل محموم عن أي أحد يمثله.

ذكريات متأخرة: التوق. عقلي مستعد دائما لأن يرفض الوقائع لأصغر عذر، لقد مضيت بعناد أأمل شيئا لم يعط أبدا لي- أو أعطيته بندرة و بشكل مجرد، لكأنه حدث خارج نطاق التجربة الطبيعية، في مكان لا يمكنني أبدا الحياة فيه لأكثر من لحظات قليلة كل مرة. لم يكن ما أشعر به هو أنه يكرهني. كان يبدو أنه مشوش فقط، ليس بمقدوره النظر في اتجاهي. و أكثر من أي شيء آخر، أردته أن يلاحظني.

أي شيء، حتى أقل القليل، كان كافيا. كيف، على سبيل المثال، عندما ذهبت الأسرة مرة لمطعم مزدحم في يوم أحد، و كان علينا أن ننتظر طاولتنا، أخذني أبي للخارج، قدم كرة تنس (من أين؟)، وضع قرشا على الرصيف، و شرع في بدء لعبة معي: عليك أن تصيب القرش بكرة التنس. لم أبلغ أكثر من ثمانية أو تسعة سنوات من العمر وقتها.

باستعادة ما حدث، لا شيء يمكن أن يكون أكثر تفاهة من ذلك. لكن حتى الآن، واقع أنني كنت مشمولا، أن أبي طلب مني عرضا ان أشاركه ضجره، تقريبا سحقني من الفرح.

في أحوال عديدة، كانت هناك الكثير من خيبات الأمل. يبدو للحظة أنه تغير، قد انفتح قليلا، بعدها، فجأة، لا يعود هناك. المرة الوحيدة التي نجحت فيها في إقناعه بأخذي لمباراة كرة قدم (العمالقة يبارون كرادلة شيكاغو، في ملعب اليانكي، أو في البولو غراوندز، لا أتذكر أيهما)، وقف بشكل مفاجئ من مقعده في منتصف الربع الرابع من المباراة و قال، ” وقت المغادرة الآن.” أراد أن يغلب الحشود و اجتناب أن يعلق في الازدحام. لا شيء مما قلته كان بمقدروه إقناعه بالبقاء، و لذا غادرنا، هكذا، و المباراة مستمرة بكامل طاقتها. كان يأسي خارقا و أنا أتبعه هابطين السلالم الحجرية، حينها، بشكل أسوأ، في ساحة المواقف، مع دوي المدرجات الغير مرئية هادرة خلفي.

لا تستطيع الوثوق به لمعرفة ما تريد، لتتوقع ما كنت ستشعر به. واقع أنك ملزم بأن تسأله ذلك بنفسك، أفسد السرور مقدما، أعاق انسجاما كنت تحلم به قبل عزف حرف واحد. عندها، حتى و إن سألته شيئا، لن يكون مؤكدا على الإطلاق أنه سيفهم ما رميت إليه. 

أتذكر يوما شبيها جدا بيومنا هذا. يوم أحد بأمطار خفيفة، النعاس و الهدوء يعم المنزل: العالم يمشي بنصف سرعته. كان أبي في قيلولة، أو أنه كان للتو مستيقظا منها، و بطريقة ما كنت في الفراش معه، كلانا و وحدنا في الغرفة.إحكي لي قصة. ربما أن الأمر بدأ هكذا. و لأنه لم يكن يفعل شيئا، لأنه كان لا يزال ناعسا في خمول ما بعد الظهيرة، قام بالضبط بما طلبته منه، شرع في حكاية قصة بثبات و ثقة. أتذكرها كلها بوضوح. لكأنني للتو خرجت من الغرفة بنورها الرمادي و أغطيتها المتشابكة على الفراش، لكأنني، ببساطة، عبر إغلاق عيني، أستطيع المضي عائدا إليها في أي وقت.

روى لي عن أيام التنقيب عن المعادن التي قضاها في أمريكا الجنوبية. كانت قصة مغامرات طويلة، مشحونة بأخطار قاتلة، مهارب و فرارات يطير لها الشعر، تقلبات الحظ الغير متوقعة؛ شاقا طريقه عبر الغابة بمنجل، مقاتلا قطاع الطرق بيدين عاريتين، مطلقا النار على حماره عندما انكسرت ساقه. كانت لغته مزهرة و ملتفة، ربما صدى للكتب التي قرأها بنفسه صبيا. لكن هذا الأسلوب الأدبي تحديدا هو ما سحرني. لا لأنه فقط كان يخبرني بأشياء جديدة عنه، مزيحا لي الستار عن عالم ماضيه البعيد، و لكنه كان يقولها بكلمات جديدة و غريبة. هذه اللغة كانت مهمة، أهمية القصة نفسها. انتمت لها، و بشكل ما، لا يمكن التفريق بينهما. غرابتها كانت دليل أصالتها.

لم يرد إلى ذهني الظن بأن ما حكاه لي كانت قصة مختلقة. أمضيت بعدها أعواما مؤمنا بها. حتى عندما تخطيت المرحلة التي من المفترض مني بعدها أن أفهم بشكل أفضل، كنت لا أزال أشعر بأن فيها ماهو حقيقي. أعطتني شيئا أتشبث به عن والدي، و كنت مترددا في إطلاق سراحها. و أخيرا، لدي تفسير لتشبثي الغامض بها؛ عدم اكتراثه بي. كان شخصية خيالية، رجل بماض مظلم و مثير، أما حياته الحالية فهي محطة وقوف فقط، وسيلة لانتظار الوقت المناسب كي يقلع للمغامرة القادمة. كان يعد خططه، يحاول إيجاد طريقة لاستعادة الذهب المدفون عميقا في قلب جبال الأنديز.





الحلقة 6 - 7 



في ذهني اللاواعي، شهوةٌ لتحقيق ما هو استثنائي لأُثيرَ إعجابه بأيّ أمرٍ بطولي. كُلّما صارَ مُتحفّظاً، كُلّما عَلَت رهاناتي. و إذا كانت رغبة الصّبي مُثابِرَةً و مثاليّة، فالتطبيقُ ممكنٌ فقط بشكلٍ سخيف. كُنتُ في العاشرة من عمري، ولا طفلَ حولي لأنقذه من مبنىً يحترق، لا بحّارة لأنقذهم في البحر. لكنني كنتُ لاعبَ بيسبول جيّد، نجمُ فريق عصابتي الصغيرة، و ظننتُ أنه لو رآني ألعب، لمرّةٍ واحدة، سيبدأُ بالنظرَ إليّ تحت ضوءٍ جديد.

و أخيراً جاء! كان والدا أُمّي يزورانها ،و كان جدي مشجّعٌ عريقٌ لكُرة البيسبول، فجاء به. كانت مباراةً مميّزةً في يومٍ تذكاري، و المقاعدُ كلها ممتلئة. و اذا كنتُ سأقومُ مرّةًً بفعل شيءٍ جديرٍ بالملاحظة، فهذه هي اللحظة لفعله. أستطيعُ تذكّر أنّني ألقيتُ نظرةً نحوهما في المدرّجات الخشبيّة، أبي بقميصٍ أبيضٍ دونَ ربطة عنق، و جدّي يبسطُ منديلاً أبيضاً على رأسه الأجرد ليحميه من الشمس- المشهدُ كله في رأسي الآن منقوعٌ في هذا الضوء الأبيض المتلألئ.

قد تمضي الكلماتُ دون الحاجة لأن أقول بأنني فوّتُّ الفرصة. لم أحصل على ضربات، فقدتُ اتزاني في الملعب، و ما عاد بإمكاني أن أكون عصبيّاً أكثر مما كنتُ عليه. من بين مئات المباريات التي لعبتها خلال طفولتي، هذه المباراة كانت الأسوأ.

لاحقاً، و أنا أمشي نحو السيّارة برفقة أبي، قالَ لي بأنني لعبتُ مباراةً جيّدة. قلتُ: لا لم أكُن جيّداً، كانت مباراةً فظيعة. قالَ لي: حسناً، فعلتَ ما بوسعك، لا يُمكنُك أن تُحسنَ الصنيعَ كُلّ مرّة.

لم يكُن يحاولُ تشجيعي، ولا أن يكونَ بعيداً عن اللُّطف. بالأحرى، كان يحاولُ أن يقول ما يقوله أيُّ أحدٍ في حوادثَ مشابهة، بشكلٍ تلقائي. كانت هي الكلمات الصحيحة لقولها، لكن تم إلقاؤها بلا مشاعر، تمرينٌ على اللباقة، منطوقةً بنفس نغمة الصوت الذي استخدمه بعد عشرين سنةً تقريباً عندما قال “طفلٌ جميل، بالتوفيق”، استطعتُ رؤية أن بالَهُ كان في مكانٍ آخر.

ما حدثَ، في حد ذاته، ليسَ مُهمّاً. المهم هو هذا: أدركتُ أنّني حتى و إن فعلتُ ما كنتُ أأمَلُ أن أُحققه، فإن ردّة فعل أبي لن تتغيّر. سواءاً نجحتُ أو فشلتُ فلن يعني ذلك شيئاً له بشكلٍ خاص. لم أكُن مميّزاُ عنده بأيّ شيء أحققه، فأنا ما كنتُه فقط، و هذا يعني أن تصوّره عني لن يتغيّر، أننا وقفنا في علاقةً لا تتحرّك، مقطوعان عن بعضنا في جهتين مفصولتين بجدار. و أكثر من ذلك، أدركتُ أن كل ماحدث لا علاقة له بي. كل ما حدث كان يعنيه هو. كأيّ شيء آخر في حياته، رآني فقط من خلال ضباب عُزلته، على بُعد فصولٍ عديدةٍ منه. مكانٌ بعيدٌ هو العالمُ بالنسبة له، أظن، مكانٌ لم يكُن بمقدوره أن يدخله حقاً، و هناك، بعيداً في المسافة، من بين كل الظلال التي حلّقت مجتازةً إيّاه، وُلدت، صرتُ إبنه، و كبُرتُ، كأنني ظلٌّ آخر، أظهَرُ و أختفي في عالَمٍ نصف مُضاءٍ من إدراكه.

مع إبنته، التي وُلدَت و أنا في الثالثة و النصف من عمري، كانت أمراً في البدء سهلاً بالنسبة له. لكنها لاحقاً صارت أصعب بشكلٍ لا ينتهي.

كانت طفلةً جميلة. رقيقة على نحوٍ استثنائي، بعينين بُنيّتين واسعتين تهمي بالدمع لأقلّ إشارة. قضَت أغلب وقتها وحيدة، شخصٌ ضئيلٌ يحومُ في أرضٍ خياليّة للأقزام و الجنيّات، ترقُصُ على رؤوس أصابعها في دانتيل مفصّل كأزياء الباليه، مُغنيّةً بصوتٍ رفيعٍ بما يكفي لتسمعه هي فقط. كانت أوفيليا صغيرة، محكومٌ عليها سابقاً ،هكذا كان يبدو، بحياةٍ من الصراع الداخلي الدائم. كوَّنَت القليل من الصداقات، واجهت مشاكل في التزامها المدرسي، و كانت مُنهَكَة من شكها في نفسها، حتى في عُمرٍ مبكّرٍ جداً، حوّلَت أبسط المواقف إلى كوابيس من العذاب و الهزيمة. نوباتُ غضب، نوباتٌ من البكاء الفظيع، اضطراباتٌ مُستمرّة. بدا أن لا شيء يدومُ بشكلٍ جيّدٍ لوقتٍ طويل.

كانت أكثر حساسيّة منّي لمُفارقات الزواج غير السعيد من حولنا، صارَ إحساسها بعدم الأمان يتضخّم، و يشُلّها. لمرّة واحدة على الأقل في اليوم، تسأل أُمّنا ما إذا كانت قد أحبّت والدنا. كان الجوابُ دائماً نفسه: بالطبع.

لم يكن بمقدور الكذبة أن تكون أكثر إقناعاً مما هي عليه. و لو كانت، فلن يعود هناك من حاجةٍ لإعادة السؤال نفسه في اليوم التالي.

في اليد الأخرى، من الصعب رؤية كيف يُمكنُ للحقيقة أن تجعلَ الأمورَ أفضل.

كانت تقريباً كما لو أنها بعثت برائحة العجز. و ردُّ الفعل الفوري للواحد أن يحميها، أن يخفف صدمتها ضد اعتداءات العالم. و كأيّ أحدٍ آخر، قام أبي بتدليلها. كُلّما أبدَت رغبةً في الدلال، كان أكثر استعداداً ليهبها إياه. قبل أن تستطيع المشي بوقتٍ طويلٍ، على سبيل المثال، كان يُصرُّ على حملها للنزول من السلالم. لا شكّ في أنه يفعلُ ذلك عن حُب، يفعله بسعادة لأنها طفلته، الملاك الصغيرة. لكن تحت هذا التدليل رسالةٌ ضمنية تقولُ بأنها لن تستطيع أبداً أن تقومِ بشيءٍ لنفسها. لم تكُن شخصاً بالنسبة له، لكنها ملاك، و لأنها لم تكُن مُجبرة على التصرُّف ككينونة مُستقلّة، لم تصبح واحدةً أبداً.

غيرَ أنّ أمي لاحظَت ما كان يحدث. عندما كانت أختي في الخامسة من عمرها، أخذتها لاستشارةٍ كشفيّة مع طبيب نفسي للأطفال، و اقترح الطبيب البدء في نوعٍ من العلاج. تلك الليلة، عندما قامت أمي بإخبار أبي عن نتائج اللقاء، انفجرَ بغضبٍ عنيف. لا بنت عندي…الخ. لا تختلف عنده فكرة أن ابنته احتاجت مساعدة طبيبٍ نفسي عن إخباره بأنها مجذومة. لن يقبلَ بذلك. لن يناقشه حتى.

هذه هي النقطة التي أحاول إثباتها. رفضه لأن يرى نفسه يقابله رفضٌ مساوٍ في العناد للنظر إلى العالم، لقبول حتى أكثر الأدلة التي لا جدال فيها محشورةً في أنفه. مرّةً بعد أخرى عِبرَ حياته، يُحدّقُ للشيء في وجهه، يومئ برأسه، ثم يلتفت و يقول أن لا شيء هناك. ما يجعلُ الحوار معه أمراً مستحيلاً. في الوقت الذي تظن أنك أسّست أرضيّةً مشتركة معه، سيأخُذُ مجرفةً و يحفرها تحت قدميك.

بعد سنوات، عندما عانت أختي من سلسلةٍ من انهياراتٍ ذهنيّةٍ ُمُنهِكَة، استمر أبي مؤمناً بأنها ليست مصابة بأيّ سوء. كأنه لا يستطيعُ بايولوجيّاً أن يُدرك حالتها.

في أحد كتبه، يصفُ رونالد لينق والدَ فتاةٍ مشلولةٍ بأنه كانَ في كل مرّةٍ يزور فيها ابنته في المستشفى، يقومُ بانتزاعها من كتفيها و هزّها بأكبر قوّةٍ يستطيعها، قائلاً لها “تحرّري خارجةً من ما أنتِ فيه”. لم يقُم أبي بانتزاع أختي، لكن سلوكه كان في الأساس يشبه ذلك. الذي تحتاجه، سيقول، هو أن تحصل على وظيفة، أن تنظّف نفسها، أن تبدأ بالعيش في العالم الحقيقي. بالطبع فعلت ذلك. لكنه بالضبط ما لم تستطع القيام به. إنها فقط حسّاسة، سيقول، عليها أن تتغلّب على خجلها. و بإرجاع المشكلة إلى امتلاكها لشخصيّة غريبة و مميّزة، سيمضي في الاعتقاد بأن كل شيء بخير. لم يكُن عَمَىً بقدر ما كان فَشَلاً في المخيّلة. عند أيّة لحظة يتوقف البيتُ عن كونه بيتاً؟ عندما تُقتلعُ الأسقف؟ عندما تُزالُ النوافذ؟ عندما تُهدًّ الجدران؟ متى يصيرُ البيتُ كومةً من الأنقاض؟ إنها مختلفةً فقط، سيقول، إنها بخير. بعدها، وفي يومٍ ما، تنهارُ عليك جدران البيت. و لو كان البابُ وحدهُ واقفاً، مع ذلك، كل ما عليك فعله أن تعبُرَ من خلاله، و ها أنت في الداخل مرّةً أخرى. كم كان ساحراً النومُ في الخارج تحت النجوم. ولا تكترث للمطر. لا يُمكنه أن يهطُلَ لفترةٍ طويلة.

شيئاً فشيئاً، بينما كانت تسوء الحالة، بدأ بتقبُّلها. لكن حتى حينها، في كل مرحلةٍ من الطريق، لم يكُن تقبُّلهُ لها مستمراً، بل يأخذ أشكالاً غريبة الأطوار، أشكالٌ تُلغي الذات تقريباً. لقد صار مقتنعاً، على سبيل المثال، أن الشيء الوحيد الذي يُمكن له مساعدتها كان برنامجاً قاسياً من المعالجة بالفيتامينات الفائقة. كان هذا هو العلاج الكيميائي للأمراض الذهنية. بالرغم من أنه لم يثبت كونه علاجاً فعّالاً، هذه الطريقة في المعالجة لها أتباعٌ كُثُر. يستطيعُ الواحدُ رؤية سبب انجذاب أبي لها. فبدل أن يضطر لمُصارعة حقائق عاطفيّة مدمّرة، يستطيعُ أن يعتبر المرض خللاً جسديّاً، عِلّة يستطيعُ معاجلتها كما تُعالجُ الإنفلونزا. صار المَرَضُ قوّةً خارجية، نوعٌ من الحشرات يُمكنُ القضاءُ عليها بقوّة خارجية مساويّة و معاكسة في الاتجاه. بَقيَت أختي في عينيه غير ممسوسة على كل ما فيها، بغرابة. في النهاية كانت ميداناً تدورُ فيه معركة، أي أنّ كُل ما جرى لم يؤثّر فيها هي.

استمرّ لعدّة أشهر محاولاً إقناعها بالبدء بتناوُلِ كميّات كبيرة من الفيتامينات كعلاج- حتى أنه ذهبَ لحد تناول الحبوب بنفسه، ليُثبتَ أنها لن تُصابَ بتسمُّم- و عندما سلّمت بالأمر في النهاية، لم تستمر في تناول الحبوب لأكثر من أسبوع أو أسبوعين. الفيتامينات كانت باهضة الثمن، لكنه لم يعجز عن دفع المال. في الناحية الأخرى، رفَضَ بغضبٍ أن يُسدّد لأيّ نوعٍ آخر من العلاج. لم يكن مؤمناً بأنه من الممكن لغريبٍ أن يهتم بما يجري عليها. يعتبرُ الأطباء النفسيين مشعوذين، مهتمون فقط بنَقع مرضاهم بالأدوية، و قيادة السيارات الفارهة. رفضَ دفع الفواتير، مما حصرها في أدنى نوع من الرعاية العامة. كانت محتاجة، بلا دَخلٍ يخُصُّها، لكنه حوّل لها تقريباً لا شيء.

لكن، كان أكثر من مستعدٍ لأخذ الأمور كلها بين يديه. مع أن ذلك لن يُفيد أيّاً منهما، أرادَها أن تعيش في بيته ليكون هو مسؤولاً عن الاهتمام بها. على الأقل يستيطعُ أن يثق بحواسّه، فقد أدرَكَ أنه مُهتمٌّ لأمرها. لكن وقتها، عندما أتت (لعدّة أشهر، بعد انتهائها من إحدى الفترات التي قضتها في المستشفى) ، لم يُخِل بروتينه العادي لاستضافته لها- استمرّ في قضاء أغلب وقته في الخارج، تاركاً إيّاها تخشخش في البيت الهائل كشَبَح.

كان مُهمِلاً و متعنّتاً. و لكن، تحتَ كل ذلك، كان لا يزالُ يُعاني. أحياناً، على الهاتف، عندما كُنّا نُناقش وضع أختي، أستطيعُ سماعَ انكسار صوته بخفوتٍ شديد، كأنّه يُريدُ أن يكتُمَ نَحيباً. بخلاف أيّ شيءٍ واجهَهُ قَط، مَرَضُ أختي أخيراً حرّكَه- تَرَكَهُ فقط مع إحساسٍ بالعجز الكامل. 

لا يوجدُ حُزنٌ يُصيبُ الوالدين أعظم من الحُزن النابع من العجز. عليكَ أن تتقبّله، حتى و إن لم تقدر على ذلك. و كُلّما ازداد تقبُّلُكَ له، كُلما ازددتَ أساً.



يأسُهُ صار هائلاً جداً.

الحلقات من 8 إلى 14



الحلقة 8 - 9  - 10 



متجولا في البيت اليوم، بلا غاية، مكتئبا، شاعرا بأنني بدأت أفقد اتصالي بما أكتبه، مررت صدفة على هذه الكلمات في رسالة كتبها فان جوخ: «كأي أحد آخر، أشعر بالحاجة للعائلة والصداقة، العاطفة والوصال الحميم. لم أخلق من صخر أو حديد كصنبور أو عامود إنارة.»

ربما هذا هو ما يهم حقا: الوصول لصلب الشعور الإنساني، على الرغم من البراهين.

هذه هي أدق الصور: لا يمكن تقويمه، عالق في طين الذاكرة، لا مدفون ولا يمكن استرجاعه كاملا. ومع ذلك، كل صورة في حد ذاتها قيامة عابرة، لحظة إما أن تكون موجودة و إلا تلاشت. طريقته في المشي، على سبيل المثال، متوازنة بشكل عجيب، يرتد على كعبي قدميه كأنه سيرتمي للأمام، بعماء، نحو المجهول. أو الطريقة التي يتقوس فيها على الطاولة وهو يأكل، مشدودة أكتافه، يقضي على الطعام كاملا، لا يستطعمه أبدا. وأخرى، الروائح المنبعثة من السيارات التي يستخدمها للعمل: غاز، زيوت مسربة، دخان العادم؛ ضجة عدة حديدية باردة، خشخشة السيارة الدائمة وهي تسير. تذكرت اليوم أنني كنت برفقته في السيارة وسط بلدة نيوارك، لم يكن عمري أكثر من ست سنوات، وداس المكابح بعنف، الهزة الشديدة رمت برأسي على لوحة قيادة السيارة، حشد من السود اجتمعوا حول السيارة فجأة ليروا ما إذا كان كل شيء بخير، خاصة المرأة التي دفعت إلي بـ كوز آيسكريم فانيلا من نافذتي المفتوحة، فأجبتها «لا شكرا» بأدب شديد، مذهولا بقدرتي على الإجابة حتى. وفي يوم آخر في سيارة أخرى، بعدها بسنوات، بصق أبي نحو النافذة ليميز بعدها أنني لم أقم بإنزالها، وبهجتي اللامنطقية وغير المحدودة لرؤيتي لعابه يسيل على الزجاج. وأيضا، كولد صغير، كيف كان يأخذني معه أحيانا إلى مطاعم يهودية في أحياء لم أعرفها من قبل، أماكن مظلمة مزدحمة بكبار السن، كل طاولة مزينة بقنينة سيلتزر ملونة بالأزرق، وكيف ازداد غثيانا، تاركا طعامي غير ملموس، وأكتفي بمشاهدته يلتهم حساء الشمندر، معجنات البايروجين، ولحوما مسلوقة مغطاة بالفجل. أنا، الذي تربى كطفل أمريكي، الذي يعرف عن أسلافه أقل مما يعرف عن قبعة رجل الكوبوي هوبالونغ كاسيدي. أو كيف، عندما كنت في الثانية أو الثالثة عشرة، أردت بشكل يائس الذهاب مع بعض أصدقائي لمكان ما، هاتفته في عمله لأحصل على إذنه، قال لي، في حيرة، وبلا معرفة لطريقة صياغة ما يريد قوله، «أنتم مجموعة من الأغرار»، وكيف، عبر سنوات بعدها، أنا وأصدقائي (أحدهم مات بجرعة زائدة من الهروين) نكرر هذه الكلمات كقطعة فولكلور، نكتة من الحنين لأيامها.

حجم كفيه، صلابتهما.

يأكل الطبقة المتخثرة فوق الشوكولاتة الساخنة.

شاي بالليمون.

نظارته السوداء نصف المؤطرة، مرمية في جميع أرجاء المنزل: على منضدة المطبخ، أو مفارش الطاولات، على حافة حوض الغسيل في الحمام – مفرودة دائما، تستلقي هناك كنوع غريب وغير مصنف من الحيوانات.

مراقبته يلعب التنس.

الطريقة التي تلتوي فيها ركبتاه أحيانا و هو يسير.

وجهه.

شبهه لأبراهام لنكولن، وملاحظة الناس الدائمة لذلك.

جسارته مع الكلاب.

وجهه. مرة أخرى، وجهه.

أسماك استوائية.

في أحوال كثيرة، يتراءى أنه يفقد تركيزه، ينسى من كان، لكأنه أضاع شعور الاتصال مع نفسه. مما يجعله عرضة للحوادث: يهشم ظفر إبهامه عند استعماله للمطرقة، عدد مهول من الحوادث الصغيرة بالسيارة.

ذهنه الغائب وهو يقود السيارة: إلى الحد الذي يصير عندها مرعبا. ظننت دائما أن ما سيقتله هو حادث سيارة.

عدا ذلك، صحته كانت وافرة لكأنه غير قابل للأذى، مستثنى من كل الأمراض الجسدية التي صعقت البقية منا. كأنما لا شيء يمكن أن يلمسه.

طريقته في الحديث: يبذل جهدا هائلا ليجذب نفسه خارج عزلته، كأنما صوته غطاه الصدأ، فقد عادة الكلام. يهمهم ويتوقف كثيرا، يتنحنح، كأنه يريد أن يبصق وسط الجملة. تشعر، بشكل واضح، أنه لم يكن مرتاحا.

وبنفس الأسلوب، كان يسليني دائما كطفل أن أشاهده يكتب اسمه. لم يكن بمقدوره ببساطة أن يضع القلم على الورقة ويكتب. وكأنه بغير وعي منه يؤجل لحظة الحقيقة، دائما ما يمهد لذلك بحركة مسرحية خفيفة، يدير يده لبوصة أو بوصتين خارج الورقة، كذبابة تأز في الهواء و تحصر تركيزها كاشفة بقعتها، قبل أن يستطيع الشروع في العمل. كان أسلوبا معدلا لطريقة آرت كارني في توقيع اسمه في فيلم العرسان الجدد.

وحتى أنه كان ينطق الكلمات بطريقة مختلفة. «عالي» مثلا، بدلا من «علي»، كأن الحركة المسرحية في يده لها نظيرها في صوته، يمتلك ميزة موسيقية مرحة. وكلما رد على الهاتف، ستحييك «مرحباااا» غنائية. لم يكن تأثير ذلك محبوبا. كانت تظهره كمعتوه قليلا، كأنه ليس متناغما مع باقي العالم – لكن ليس كثيرا. لدرجة فقط أو درجتين.

عرات لا يمكن محوها.

في هذه الأطوار المجنونة المتشنجة التي يدخل فيها أحيانا، يخرج دوما بآراء شاذة، لا تؤخذ حقا بجدية، لكنه يستمتع بتأييد الشر ليبقي الأمور حية. إغاظة الناس تضعه في بهجة الأراوح، وبعد تعليق تافه على أحدهم، يقوم غالبا بقرص ساقه – في موضع الدغدغة. يحب حرفيا أن يعرقل ساقك.

البيت مرة أخرى.

مهما اتضحت درجة إهماله العناية به من الخارج، فقد آمن بطريقته هو. كمخترع غاضب يحمي سر آلة الحركة الأبدية، لن يطيق أن يتلاعب بها أحد. مرة، عندما كنا أنا وزوجتي نتنقل بين الشقق السكنية، قطنا في منزله لثلاثة أو أربعة أسابيع. وجدنا أن الظلمة في المنزل فادحة، أزحنا كل الظلال وسمحنا للنور أن يدرج للداخل. عندما عاد أبي من العمل ورأى ما فعلناه، طفى في غيظ مفلوت الزمام، قصي كليا عن أي استياء كان قد مر به.

لم ينفجر بغضب من هذا الطراز إلا نادرا، ليس إلا أن يكون محصورا، معتدى عليه، مسحونا بحضور الآخرين. قد تطلق غضبه أحيانا الأسئلة عن المصاريف. أو تفصيل صغير: ظلال بيته، صحن مكسور، أقل لا-شيء على الإطلاق.

غير أن غضبه هذا كان بين ثناياه – هكذا آمنت باستمرار. كالبيت الذي كان مرتبا بشكل جيد والآن يتهافت من الداخل، الرجل نفسه كان رزينا، خارقا ورابط الجأش، لكنه فريسة الكدر، بداخله عنفوان من السخط لا يمكن إيقافه. كافح طوال حياته ليتحاشى مجابهة هذا العنفوان، مربيا سلوكا تلقائيا يسمح له بتجنبه. يركن على روتين ثابت يحرره من لزوم أن يبصر ما بداخله وقت وجوب اتخاذ القرارات؛ الكليشيه يطفر بسرعة إلى شفتيه «طفل جميل، بالتوفيق»، عوضا عن كلمات يذهب خارجا للبحث عنها. تولى كل ذلك تسطيحه كشخصية. لكن في الوقت نفسه، كان ذلك ما أنقذه، ما جعله يحيا. إلى المدى الذي كان مؤهلا لأن يحياه.

من حقيبة صور سائبة: صورة فوتوغرافية وهمية التقطت في أستوديو مدينة أتلانتك في وقت ما خلال الأربعينيات. كان هناك العديد منهم يجلسون محيطين بطاولة، التقطت كل صورة من زاوية مغايرة، لتظن للوهلة الأولى أنها مكونة من مجموعة من الرجال المختلفين. بسبب الأسى الذي يطوقهم، بسبب السكون المطبق في وضعياتهم، لكأنهم التموا ليعقدوا اجتماعا. وآنئذ، وأنت تتفحص الصورة، تبدأ بالتفطن إلى أن هؤلاء الرجال كلهم هم نفس الرجل. يضحي الاجتماع اجتماعا حقيقيا، لكأنه ذهب للأستوديو فقط ليستحضر نفسه، ليجتلب نفسه عائدة من الفناء، لكأنه، عبر مضاعفة نفسه، جعلها تحتجب سهوا. هناك خمسة منه هناك، إنما طبيعة الصورة الوهمية تجحد إمكانية التواصل البصري بين شتى الأنفس. كل واحد منهم محكوم بالحملقة نحو الفراغ، كأنه في طرف أبصار الآخرين، لكنه يرى سدى، ليس مؤهلا أبدا لرؤية أي شيء. إنها صورة للردى، بورتريه لرجل غير مرئي.

بأناة، أقترب من الإحاطة باستحالة المهمة التي نذرت نفسي لها. لدي توجس يدفعني للذهاب باتجاه آخر، لكأنني عرفت مسبقا ما أردت قوله، لكن كلما تقصيت أكثر، تأكدت أكثر بأن الدرب المؤدي لضالتي ليس موجودا. علي أن أبتكر الطريق في كل خطوة، ذلك يعني أنني لن أطمئن أبدا لمكاني. شعور بالسير في دوائر، بتتبع تراجعي أبدي، بالسفر لأكثر من وجهة في نفس اللحظة. وحتى لو أنني احتلت وحققت بعض التقدم، فلست بواثق مطلقا من أن ذلك سيقودني إلى حيث أظن نفسي ذاهبا. بمجرد أن تطوف في صحراء، لا يعني أن هناك أرضا موعودة.

عندما هممت بالبدء، خطر لي أنها ستحضر تلقائيا، كانبثاق الإغماءة. حاجتي للكتابة كانت جبارة حتى ظننت أن القصة ستكتب نفسها. لكن الكلمات تقبل بتباطؤ لغاية الآن. حتى في أحسن الأيام لم أكن صالحا لكتابة أكثر من صفحة أو صفحتين. بدا كانني مفجوع، ملعون بفشل ذهني يوقفني عن التركيز في ما أقوم به. مرة تلو الأخرى، رصدت درب أفكاري يمتد مبتعدا عن ما هو أمامي. بمجرد أن أفكر في شيء حتى يتداعى منه شيء آخر، ثم شيء آخر، حتى تتراكم مجموعة من التفاصيل الكثيقة تجعلني أشعر بالاختناق. لم أكن من قبل مدركا تماما للصدع بين التفكير والكتابة. في الأيام القليلة الماضية، بالفعل، بدأت أتوجس من أن القصة التي أحاول البوح بها، بطريقة ما، متعذرة على اللغة، كأن ما بلغته في ضديتها للغة هو مقياس دقيق للمسافة القريبة التي أكون عليها من البوح بما هو هام، ومتى ما جاءت تلك اللحظة لأقول فيها شيئا واحدا مهما (على افتراض وجوده)، لا يكون بمستطاعي الجهر به.

كان لدي برهان على جرح، أستشف الآن كم هو سحيق جدا. و بدلا من أن تشفيني كما ظننت أنها ستفعل، الكتابة أبقت على الجرح فاغرا، وفي غير مرة، أشعر بألمها ينبض في يدي اليمنى، لكأن في كل مرة ألتقط فيها القلم وأرص به على الورقة، تتقطع يدي. عوضا عن دفن أبي بدلا عني، هذه الكلمات صانته حيا، ربما أكثر من أي وقت مضى. أنا لا أشاهده فقط كما كان، و لكن كما هو، وكما سيكون، وهو يشن غاراته من هناك كل يوم على ظنوني، ينشلها مني دون إنذار: يتمدد في التابوت، تحت الأرض، لا يزال جسده سليما، أظافره و شعره في نمو مستمر. أشعر بأنني لو أردت استيعاب أي شيء، فعلي إذن أن أنفذ خلال هذه الصورة من الظلام، علي أن أدلف من العتمة المطلقة للأرض.

كينوشا، ويسكونسون، 1911 أو 1912، لم يكن حتى واثقا من التاريخ. في فوضى عائلة كبيرة مهاجرة، لا تعتبر سجلات الولادة أمرا ملحا للغاية. ما يهم هو أنه الخامس من بين خمسة أطفال ناجين -فتاة وأربعة صبية، ولدوا جميعا خلال ثماني سنوات- وتلك هي أمه، ضئيلة، امرأة مفترسة بالكاد تتحدث الإنجليزية، حافظت على شمل العائلة. كانت الحاكمة، الدكتاتور المستبد، المحرك الذي لا يتحرك واقفا في مركز الكون.

توفي والده في عام 1919، مما يعني أنه فيما عدا طفولته المبكرة لم يكن والده بجانبه. سرد لي أثناء طفولتي ثلاث قصص متباينة عن موت أبيه. في الصيغة الأولى، كان قد قتل في حادثة صيد. في الأخرى، سقط من السلم. وفي الثالثة، أردته رصاصة أطلقت عليه إبان الحرب العالمية الأولى. عرفت أن هذه التعارضات لا معنى لها، لكنني افترضت أن مفادها هو أن أبي نفسه لم يكن عالما بالحقائق. بسبب أنه كان يافعا جدا وقت حدوث ذلك- في السابعة وحسب- قدرت أنه لم يعط أبدا القصة الصائبة. لكن مع ذلك، لم يتكون عندي أي تصور مقبول أيضا. أحد إخوته قام حتما بإخباره.

إلا أن أبناء عمومتي جميعهم، أخبروني أنهم أيضا رويت لهم تفسيرات عديدة عن طريق آبائهم.

لا أحد على الإطلاق قام بذكر جدي. وإلى سنوات قليلة مضت، لم أكن قد رأيت له صورة قط. بدا الأمر وكأن العائلة اتخذت قرارا بالتظاهر بأنه لم يكن موجودا أبدا.

ضمن جملة الفوتوغرافات التي عثرت عليها خلال الشهر الآنف في منزل أبي، صورة عائلية تعود لأيام النشأة المبكرة في كينوشا. كل الأبناء هناك. أبي، لم يكن عمره أكثر من عام واحد، ملتما في حضن والدته، والآخرون الأربعة يقفون حولها بين أعشاب طويلة وغير مشذبة. هناك شجرتان خلفهم ومنزل خشبي ضخم خلف الأشجار. عالم برمته يبزغ من هذه الصورة العائلية: زمن منفرد، مكان مختلف، وإحساس بماض لا يمكن تعيينه. عندما نظرت للصورة أول مرة، لاحظت أنها قد مزقت من المنتصف، ثم أعيد لصقها بطريقة غير متقنة، تاركين إحدى الأشجار في الخلفية معلقة في الجو. حسبت أن تمزيق الصورة كان حادثا ولم أمعن النظر فيه أكثر. لكن حين نظرت للصورة مرة ثانية، تفحصت هذا التمزق عن كثب، واكتشفت أمورا لا بد من أنني كنت أعمى لتفويتها سابقا. رأيت رؤوس أصابع رجل تتشبث بجذع أحد أعمامي؛ رأيت، بشكل جلي، أن أحد أعمامي أيضا لم يكن يسند ذراعه على قفا أحد إخوته كما ظننت في البداية، ولكن على مقعد لم يكن هناك. وأدركت آنئذ ما الذي كان غريبا في الصورة: تم قص جدي منها. كانت الصورة مشوهة لأن شطرا منها قد تمت إزالته. جدي كان يجلس على مقعد إلى جانب زوجته وأحد أطفاله واقف بين ركبتيه وهو لم يكن هناك. ليس إلا أنامله ما تبقى: لكأنه يحاول الحبو عائدا للصورة من جحر عميق في الزمن، لكأنه نفي إلى بعد آخر.

الأمر برمته جعلني أقشعر.

علمت بقصة موت جدي قبل برهة من الزمن. لولا مصادفة عجيبة، لبقيت مجهولة للأبد.

في عام 1970 سافرت إحدى بنات عمومتي إلى أوروبا في إجازة مع زوجها. وجدت نفسها في الطائرة تجلس بجانب رجل عجوز، وكما يفعل الناس غالبا، يبدأون الأحاديث بشكل عفوي ليزجوا الوقت. اتضح أن هذا الرجل قد عاش في كينوشا، ويسكونسون. استأنست ابنة عمي بهذه المصادفة وأشارت إلى أن والدها قد عاش هناك وهو صبي. وبدافع الفضول، سألها الرجل عن اسم عائلتها. حين أخبرته «أوستر»، تغير لونه. أوستر؟ ألم تكن جدتك امرأة قصيرة مجنونة وبشعر أحمر، هل كانت كذلك؟. بلى، إنها جدتي، أجابت ابنة عمي. امرأة قصيرة مجنونة وبشعر أحمر.

وعندها أخبرها بالقصة. جرت أحداثها قبل أكثر من خمسين عاما، غير أنه لا يزال يتذكر التفاصيل البارزة.

حين عاد هذا الرجل لمنزله بعد الإجازة، تتبع مقالات الجرائد التي ارتبطت بالقصة، أخذ لها صورا ثم أرسلها لابنة عمي. كان هذا خطاب تقديمه لها:

الأعزاء..

كان من الجيد استلام رسالتكم، فعلى الرغم من أن المهمة قد بدت معقدة، حالفتني ضربة حظ. خرجنا أنا وفران لتناول العشاء مع فيرد بلونس وزوجته، وكان والد فيرد من اشترى مبنى الشقق في البارك آفينيو من عائلتك. السيد بلونس أصغر مني بثلاث سنوات على أكثر تقدير، لكنه ادعى أن القضية (في ذلك الوقت) قد أسرته و هو يتذكر إلى حد كبير بعض التفاصيل. لقد أكد بأن جدك كان أول شخص يدفن في مقبرة اليهود هنا في كينوشا.

(قبل 1919 لم يكن لليهود جبانة في كينوشا، لكنهم يدفنون أعزاءهم إما في شيكاغو أو ميلووكي). بهذه المعلومة، لم أجد صعوبة في تحديد البقعة التي دفن فيها جدك.لذا، تمكنت من تحديد التاريخ. بقية الأشياء في المصورات التي أبعثها لك.

أطلب منك فقط ألا يعلم والدك أبدا بهذه المعلومات التي أمررها لك. لا أريد له أن يصاب بالحزن أكثر مما عاناه سلفا.

أتمنى أن يلقي ذلك الضوء على تصرفات أبيك خلال السنوات الماضية.

أعز التحايا لكما،

كين وفران.





الحلقة 11 -  12 



مقالاتُ الصُّحُف تقبعُ على مكتَبي. و الآن، لأن وقتَ الكتابة عنها قد حان؛ أَجِدُني مُندَهشاً من نفسي إذ أنشَغلُ بأي أَمرٍ أستطيعه لأؤجّل الكتابة. ماطَلتُ الصّبَاحَ كُلّه. أخذتُ القُمامةَ إلى حاوية النفايات. لعبتُ مع دانيال في ساحة المنزل لساعةٍ تقريباً. قرأتُ جريدةَ هذا اليوم بأكملها_ إلى الأسفل تماماً حتى تلك الأسطُر من نتائج تدريبات الربيع لمباريات البيسبول. و إلى هذه السّاعة، و أنا أكتُبُ الآنَ عن نفوري من الكتابة، ألفَيتُ نفسي مُضطرباً بشكلٍ تعجيزيٍّ: بعدَ القليل من المُفردات، أقفزُ من مقعدي، أذرَعُ المكان، أُنصتُ للرّيح في الخارج و هي تخبطُ أعمدة المزاريبِ الفالِتَة بالمنزل. يُمكنُ لأضأل الأشياء أن يُشتّتني.

ما كان ذاك بسبب جَزَعي من الحقيقة. لستُ خائفاً حتى من قَولها. جدّتي قتلَت جدّي. في 23 يناير, 1919، ستون عاماً بالضبط قبل وفاة أبي، أمه أطلقت النار على أبيه و قتلته في مطبخ منزلهم في فيرمونت آفينيو كينوشا، ويسكونسون. لم تُضايقني الوقائعُ نفسُها أكثر مما كان متوقعاً. الأمرُ الصّعب هو رؤيتها في الصحافة_ قامت من قبرها، إذا جاز التعبير، في حَقل الأسرار و تحوّلت إلى قضيّة عامة. ثمّة هناك أكثر من عشرين مادّةٍ مُدوّنةٍ، أغلبها طويلة، و كلّها تعودُ لـ أخبار كينوشا المسائية. حتى في هذه الولاية التي بالكاد تقرأ، المحجوبة تماماً بسبب الهَرَم و الإيمان بأخطار التصوير، لا تزالُ لديها القُدرة على الصّعق. أفترضُ أنهم مثاليّون قياساً للصًّحَافَة في ذاك الوَقت، لكن هذا لا يجعلهم أقل إثارة. إنهم خليطٌ من الفتّانين و و المندفعين عاطفيّاً، و زِد على ذلك حقيقة أن المتورّطين هم من اليهود_ و بالتالي فهو مُستَغرَب، بحُكم المعرفة، مما وَهَبَ القصّة برُمّتها نَغمَةَ اشمئزاز و احتقار. و مع ذلك، لم تخلو القصة من العيوب، و يبدو أن الوقائع كلها هنا. لا أظن أنهم أوضحوا كل شيء، و لكن لا شك في أنهم أوضحوا الكثير. لا يُمكنُ لصبيٍّ أن يمُرّ في حياته بمثل تلك الظروف دون أن يتأثّر بها و هو رجُل.

في الحواشي حول المقالات، استطعتُ فقط أن أفُكّ مغاليقَ بعضَ القصص الأقل التي تناولتها الصُّحُف في ذلك الحين، أحداثٌ كانت أقرب لأن تكون منفيّةً مقارنةً بجريمة القتل. مثلاً: استعادة جُثّة روزا لوكسيمبورغ من قناة لاندوير. و مثلاً: مؤتمر السلام في فَرساي. و هكذا دواليك، يوماً بعد يوم، بينَ: قضيّة يوجين ديبس؛ خَبَر عن فيلم كاروسّو الأوّل (“الأحوال.. قيلَ بأن الحس الدرامي فيه عالٍ و أنه مليئٌ بما يُهيّجُ رِقّةَ القُلوب”)؛ تقاريرُ معارك الحرب الأهلية الروسية؛ جنازاتُ كارل ليبنخت و واحدٌ و ثلاثون عُضواً آخرين من تحالُف سبارتاكوس (“أكثر من خمسين ألف شخصٍ مشوا في موكبٍ كان طوله خمسة أميال. عشرون بالماءة تماماً من هذ الحشد يحملون أكاليلَ الزهور. لم يكُن هناك صِياحٌ ولا هُتافات “). تمّ التصديق على قرار وطني لحظر الكحول (“ويليام جينينغز براين- الرّجُل الذي جعل من عصير العنب مشهوراً- كان هُناك بابتسامةٍ عريضة”)؛ إضراب عُمّال النسيج في لورانس، ماساشوستس، بقيادة إتحاد عُمّال المصانع في العالم؛ اغتيال إيمليانو زاباتا، “ثائرٌ خارجٌ على القانون في جنوب المكسيك”؛ وينستون تشرشل؛ بيلا كون؛ بريمير لينين (خطأ غير مقصود)؛ وودرو ويلسون؛ ديمبسي يُلاكِمُ ويلارد.

قرأتُ من خلال المقالات عن الجريمة عشرات المرّات. مع ذلك، أجدُ صعوبةً في تصديق أنّها لم تَطرُق مناماتي. تترصّدُني بكُلّ قوّةٍ خادعةٍ في اللاوعي، مُحَرّفةً الواقع كما تفعل الأحلام. و بسبب أنّ العناوين العريضة للجريمة قد غَشَت على كُل ما عداها من أمورٍ حدثت للعالم في ذاك اليوم، فقد أولَتها الصحف اهتماماً ذاتيّاً يشبه ما نوليه من اهتمامٍ للأمور التي تجري في حيواتنا الخاصّة. إنها تبدو إلى حَدٍّ ما كاللوحات التي يرسُمُها الطفل حينَ يُعكّرُهُ خَوفٌ يتعذّرُ تفسيرُهُ: الشيءُ الأهم هو الشيءُ الأكبر. تسقُطُ الاحتمالاتُ في سبيل اتساق القصة_ تلك التي لا تُمليها العين، بل حاجاتُ المُخيّلة.

لم أُطالع هذه المقالات كتاريخٍ فقط، و لكن كرسوماتٍ كهفيّة تم اكتشافها في الجدران الداخليّة لجُمجمتي نفسها.

عناوين الصحف في اليوم الأول، يناير 24، تُغطّي أكثر من ثُلث الصفحة الأولى.

مَقتَل هاري أوستر

زوجتُه تحتجزُها الشرطة

__________

أحد أبرز مُديري العقارات سابقاً أُرديَ قتيلاُ

في مطبخ منزل زوجته

في ليل الخميس بعد مشاحنةٍ عائلية

حول المصاريف_ و امرأة.

__________

زوجةٌ تقولُ بأن زوجها قد انتحر

__________

رجُلٌ ميّت و رصاصةٌ تُدمي عُنُقه و أخرى في وِركه الأيسر

و زوجته تعترف بأن الطبنجة التي أُصيبَ بها

تعودُ ملكيّتها له_ طفلٌ في التاسعة من عمره، شاهدٌ على

المأساة، و قد يحملُ مفتاحَ اللُّغز.

__________

طبقاً للجريدة، “السيّد أوستر و زوجته قد انفَصَلا لبعض الوقت سابقاً، و أن هناك دعوى طلاق مُعلّقة في دائرة القضاء في كينوشا. لقد مرّوا بمشاكل حول المال في مناسباتٍ مختلفة. اختصموا أيضاً على حقيقة أن السيّد أوستر تجمعه صداقة (بشكل غير واضح) بفتاةٍ شابّة معروفة لزوجته تحت اسم “فاني”. و يُعتَقَد بأن أَمر “فاني” قد كُشفَ في المشاجرة بين السيّد أوستر و زوجته التي سبقت تماماً حادثة إطلاق النار…”.

و لأن جدتي لم تعترف إلّا في اليوم الثامن و العشرين، فقد كان الأمرُ مُبهماً بالنسبة لما حَدَثَ حقّاً. جدّي (و قد كان في السادسة والثلاثين من عمره) أتى إلى المنزل في الساعة السادسة مساءاً، و معه “أطقُمٌ من الملابس” لإبنيه الأكبرين، “و بالرغم من أن السيّدة أوستر صرّحت بأنها كانت في غرفة النوم لتضع سام، الإبن الأصغر، في مخدعه. سام [أبي] أكّدَ بأنه لم يرَ أًمّه تأخُذُ الطبنجة من تحت الفِراش و هو مطويٌّ في لحافه لبقيّة الليل.”

يَظهَرُ أنّ جدي قد ذهبَ بعدها إلى المطبخ ليُصلحَ مفتاحاً كهربائيّاً، و أنّ أَحَدَ أعمامي (ما قبل الأخير) كان يرفعُ له شمعةٌ ليُحسن الرؤية. “صَرَّحَ الصّبي بأن الذُّعرَ قد صَفَقَه عند سماعه لإطلاق النار و رؤيته لومضة الطبنجة، فَفَرّ من المكان”. طبقاً لأقوال جدتي، فإن جدي قد أطلق النار على نفسه. اعترفت بأنهما كانا يتخاصمان حول المال، “ثمّ قالَ، أكمَلَت حديثها، ’ستكون هناك نهايةُ إمّا لكِ أو لي‘ ثم هدّدني. لم أعرف بأن الطبنجة كانت بحوزته. لقد أبقيتها تحت فراش سريري و هو يعرفُ ذلك.”

بسبب أن جدتي لا تتحدث الإنجليزية إطلاقاً على وجه التقريب، أفترضُ بأن هذا التصريح، و كل التصاريح المنسوبة لها، كانت من اختراع المُراسل الصحفي. و مهما يكُن ما قالته، لم تُصدّق الشرطة أيّاٌ منه. “أعادت السيدة أوستر قصتها للعديد من مسؤولي الشرطة دون القيام بأيّ تحريفٍ مقصودٍ لها، و قد زعمت أنها على قدرٍ كبيرٍ من التعجُّب عندما أُخبرَت بأن الشرطة ستقومُ بحجزها. و بقَدرٍ كبيرٍ من الرقّة، قبّلَت سام الصغير وتمنّت له ليلةً سعيدة ثُمّ انصرفت لسجن البلدة.”

“طِفلا عائلة أوستر كانا ضيوفاً لقسم الأمن ليلة البارحة، ناموا في غرفة تجمُّع أفراد الشرطة، و بدا أن الصبيّين هذا الصباح قد تعافا تماماً من أيّ هَلَعٍ قد عانَوهُ نتيجةً للمأساة التي حدثت في منزلهما.”

و إزاءَ نهاية المقال، تُعطى هذه المعلومة عن جدّي. “تعودُ أصولُ هاري أوستر إلى النمسا. قَدِمَ إلى هذه البلاد قبل عدّة سنواتٍ مَضَت و سَكَنَ في شيكاغو، كندا، و كينوشا. هو و زوجته، طبقاً للقصة التي روتها الشرطة، عادا لاحقاً إلى النمسا، لكنها انضمّت إلى زوجها في هذه البلاد تقريباً في الوقت الذي انتقلوا فيه إلى كينوشا. اشترى السيّد أوستر عدداً من المنازل في الحَي الآخر، و لبعض الوقت كانت أعماله تمتدُّ إلى نطاقٍ واسع. لقد شيّد المبنى الكبير ذو الثلاثة طوابق في ساوث بارك آفينيو، و آخَرعُرِفُ بشقق أوستر في شارع ساوث إكسشينج. قبل ستة أو ثمانية أشهر، مَرّ بتقلُّبات ماليّة….”

“قبلَ حينٍ من الوقت، ناشَدَت السيدة أوستر الشرطة لمساعدتها في مراقبة السيد أوستر لزعمها أن لديه علاقة بفتاةٍ شابّة، و قد اعتقدت أنه يجب التحقيق فيها.” هكذا عرفت الشرطة لأوّل مرة عن أمر المرأة ’فاني‘ “.

“كثيرٌ من الناس شاهدوا السيّد أوستر و تجاذبوا معه أطراف الحديث في نهار الخميس، و صرّحوا بأنه كان سَويّاً و لم تظهر عليه أيّة علامة تدُل على رغبته في إنهاء حياته…”

اليوم الثاني كان استجوابُ هيئة التحقيق. عمّي، كَونه الشاهد الوحيد على الحادثة، تم استدعاؤه ليُدلي بشهادته. “صبيٌّ صغيرٌ بعينين حزينتين، يُديرُ باضطرابٍ قُبّعة رأسه، كتبَ الفصل الثاني من لُغز مقتل السيّد أوستر عَصرَ الجُمعة… محاولاته لإنقاذ إسم العائلة كانت بشكلٍ تراجيدي مُثيرة للشفقة. مرّةً بعد أخرى، عندما يُسأل ما إذا كان والداهُ يختصمان، يقولُ ’كانا يتناقشان لا أكثر‘ حتى أخيراً، مُتذكّراً قَسَمهُ على ما يبدو، أضافَ ’و ربما يختصمان_ بشكلٍ بسيطٍ فقط.‘ ” تصفُ المقالةُ هيئة المحلفين بقولها “أثارت استغرابهم جهود الصبي للسّتر على أبيه و أُمّه”.

فكرة الانتحار كانت بشكلٍ جليٍّ لن تنطوي عليهم. في الفقرة الأخيرة من المقالة كَتَبَ المُراسل الصحفي ” تطورات مُذهلة لمّح إليها المسؤولون عن القضية.”

ثم جاءت الجنازة. مَنَحَت المُراسل المجهولَ فُرصةً لمُحاكاة إحدى الأساليب المعروفة لتمثيليّات المسرح الفيكتوري؛ الآن، لم تعُد الجريمة فضيحةً و حسب. لقد تحوّلت إلى مَلهاةٍ مُثيرة.

أرملةً بلا دموع على قبر أوستر

__________

مخفورةً بالشرطة، تحضُرُ السيّدة آنّا أوستر

جنازة زوجها، هاري أوستر، يوم الأحد

__________

“بعيونٍ جافَة، وبلا أدنى ملمَحٍ لعاطفةٍ أو أسى، قامت السيّدة أوستر، الموقوفة هنا لعلاقتها بالموت الغامض لزوجها، هاري أوستر، بالتواجد صباح الأحد، تحت الحراسة، في مراسم جنازة الرّجُل الذي حُجزَت لارتباطها بموته”

“لا في المُصلّى، حيث نَظَرَت لأوّل مرّةٍ منذ مساء الخميس للوجه الميّت لزوجها، ولا في المَدفَن، أبدَت السيّدة أوستر أيّة علامة ضعف. الإشارة الوحيدة التي أبدَتها لانكسارها تحت الإرهاق المروّع جرّاء هذه المِحنة، هي أنها بعد الانتهاء من الدفن، قد طلبت أن يُعقد لها مؤتمرٌ صحفيًّ بعد الظهيرة مع رف.م.هارتمان، قِسُّ تجمُّع بيناي زيديك.

“عندما تمّت المناسك، ضمّت السيّدة أوستر طوقها المصنوع من فراء الثعلب برزانةٍ حول عنقها، و أوعزت للشرطة أنها مستعدة للرحيل…”

“و بعدَ طقوسٍ شعائريّة قصيرة، تشكّلَ موكب الجنازة في شارع ويسكونسون. طلبَت السيّدة أوستر السماح لها بالذهاب للمقبرة أيضاً، و قد أَذِنَت لها الشُّرطةُ فوراً بما سألَت. بدت و كأنها مُنزعجةً لعدم توفير مركبةٍ تُقلُّها، ربما تذكّرَت ذلك الفَصلَ القصيرَ من الرّخاء البيّن، عندما كان ليموزين أوستر يجوبُ كينوشا…”

“امتحانُ المشاعر قد امتدَّ لوقتٍ طويلٍ جداً إذ أخذَ تجهيزُ القبر وقتاً إضافيّاً، و في تلك الأثناء، و هي تنتظر، قامت بمناداة سام، الصبيُّ الأصغر، ليجيء بجانبها، و ضمّت طَوقَ معطفه بإحكامٍ حول عنقه. حدّثته بخفوتٍ، و فيما عدا هذا الاستثناء، فقد كانت صامتة إلى ما بعد انتهاء المناسك…”

“هناك شخصيّةٌ بارزة في مراسم الدفن، سامويل أوستر، جاء من ديترويت، شقيقُ هاري أوستر. كانَ يرعى باهتمامٍ بالغٍ الصِّبيَةُ الصغار و يواسيهم في حُزنهم”

“في مَظهره و تصريحاته، ظَهَرَ سامويل موجوعاً جداً لفقد أخيه. أبدى بوضوحٍ عدم تصديقه لفرضيّة الانتحار و نَبَسَ بتعليقاتٍ لهذا مذاقُ اتهام الأرملة بما حدث…”

” القِس رف.م.هارتمان، ألقى موعظةً بليغةً عند القبر. كان يندُبُ حقيقة أن أوّل شخصٍ يُدفَنُ في هذه الجبّانة البِكر هو واحدٌ ماتَ نتيجة العنف و قُتِلَ في أَوجِه. لقد أثنى على أعمال هاري أوستر و استنكرَ موته المبكّر.”

“لم تُحرِك الأرملةُ ساكناً من ثناء القِس على زوجها الميّت. فتحت معطفها بدون اهتمام ليستطيع البطرِيَرك أن يُحدِثَ شقّاً في سُترتها المَشغولة، إشارةٌ رمزيّةٌ للحُزن مسنونةٌ في الديانة العِبرية.”

“المسؤولون في كينوشا فشلوا في إسقاط شُبهة أن السيّد أوستر قُتل بأيدي زوجته….”

جريدةُ اليوم الثاني، 26 يناير، حملَت أخبار الاعتراف. بعد اجتماعها بالحاخام، طلبَت انعقاد مؤتمرٍ مع رئيس الشرطة. “عندما دَلَفَت القاعة، ارتعدت قليلاً و ارتبكت بوضوحٍ عندما قام رئيس الشرطة بتقريب الكرسي لها. ’أنتِ تعرفين مالّذي أخبرنا به صبيُّك الصغير‘، بدأ الفصل الأخير عندما أدرك رئيس الشرطة أن اللحظة النفسية المناسبة قد حانت. ’لا تُريدين منّا الظّن بأنه يكذب علينا، هل تُريدين ذلك؟‘ و الأُم، بوجهها الذي استمرّ لأيّامٍ مُقنّعاً كي لا تُفصح عن الرُّعب الكامن خلفه، مزَّقَ مظهره الزائف، صارَ فجأةً رقيقاً، و بَكَت بسرّها الرّهيب. ’إنه لا يكذب عليكم أبداً؛ فكل ما قاله صحيح. لقد رميته بالرّصاص و أُريدُ أن أعترف.‘”

كان هذا بيانُها الرّسمي: “إسمي آنّا أوستر. أطلقتُ النار على هاري أوستر في مدينة كينوشا، ويسكونسون في اليوم الثالث والعشرين من يناير 1919. بعد الميلاد. تناهى إلى سمعي من الناس أنّني قد أطلقت ثلاثة رصاصات، لكنني لا أتذكر على وجه التحديد كم من الراصاصات أطلقتها ذاكَ اليوم. كان باعثي لإطلاق النار على المدعو هاري أوستر هو حقيقة أنه، المدعو هاري أوستر، قد قام بالإساءة إلي. كنتُ أقرب إلى الجنون عندما أطلقتُ على المدعو هاري أوستر. لم أفكّر أبداً برميه بالرّصاص، المدعو هاري أوستر، حتى اللحظة التي أطلقتُ فيها النارَ عليه. أعتقدُ بأن هذا هو المسدس الذي أطلقتُ به النارَ عليه، المدعو هاري أوستر. أُقدّمُ اعترافي هذا بحريّةٍ كاملة و دون إكراه.”

و يُتابع المُراسل، “على الطاولة المقابلة للسيّدة أوستر، وُضِعَت الطبنحة التي باستخدامها أُطلقَ النار على زوجها حتى الموت. عندما جاءت على ذكرها، تحسّستها بتردُّد ثم سحبت يدها بشكلٍ مُلفتٍ، مُنتفضةً من الرُّعب. و دون أن يتحدث، نحّى رئيسُ الشرطة المسدسَ جانباً و سألَ السيّدة أوستر ما إذا كانت مُهتمةً في إضافة أقوالٍ أخرى.”

“هذا كل شيء الآن.” ردّت برباطة جأشٍ. ’وقّعي لي هنا و سأضعُ علامتي بعدها.‘

“طلباتُها -عادت للحظةٍ لأسلوب الأثرياء- تمّت إجابتُها، أكّدَت بأن هذا هو توقيعها، ثم سألَت أن تؤخذ لزنزانتها.”

في ترتيبات اليوم الثاني، قام محاميها بتقديم استئناف بأنها غير مذنبة. “مُلفّعةً بمعطفٍ مخملي و وشاحٍ من فراء الثعلب، دخلَت السيّدة أوستر قاعةَ المحكمة… ابتسمَت لصديقةٍ لها من بين الحضور و هي تأخذ مجلسها عند طاولة وكيلها.”

و بحضور الصّحَفي نفسه، كانت جلسة الاستماع “خالية من الأحداث”. و مع ذلك، لم يستطع مقاومة إبداء هذه الملاحظة، “وقعت حادثةٌ أثناء عودتها إلى الزنزانة، مما طرحَ تعليقاً على حالة السيّدة أوستر الذهنيّة”.

” امرأةٌ موقوفة بتهمة علاقتها برجُلٍ متزوج، تمّ جَلبُها للسجن لحَبسها في زنزانةٍ مُحاذية”. عند رؤيتها، سألت السيّدة أوستر عن هويّة القادم الجديد و عَلِمَت بحيثيّات قضيّتها.”

“يجبُ الحُكم عليها بعشر سنوات،” قالَت، و الباب الحديدي ينغلقُ عليها بلا رحمة، ” كانَت امرأةً من نفس هذا الصنف، مَن تسبّبَت بوجودي في هذا المكان”

بعدَ بعض النقاشات القانونية المعقدة حول كفالتها و التي تمّ نَشرُها بإسهاب في الأيّام القليلة التالية، اُطلِقَ سراحُها. ” ’هل لديكم فكرة بأن هذه المرأة قد لا تحضر للمحاكمة؟‘ سألتَ المحكمةُ مُحامي الدفاع. كان المحامي بيكر من أجاب: ’أين يُمكنُ لامرأةٍ برفقة خمسة أطفالٍ كهؤلاء أن تذهب؟ إنها متشبّثةٌ بهم و تستطيعُ المحكمة رؤية أنهم متشبّثون بها.‘ “







الحلقة 13 -  14 



لأسبوع، كانت الصحافة هادئة. ثم، في الثامن من فبراير، نشر خبر عن «التأييد الرائج لأسباب القضية، والمنشور في صحف باللغة اليهودية في شيكاغو. بعض هذه الجرائد حملت أعمدة تجادل قضية السيدة أوستر وتصرح بتأييدها القوي للجنة الدفاع».

«بعد ظهر الخميس، جلست السيدة أوستر مع أحد أبنائها في مكتب محاميها فيما كانت مقاطع من تلك الأعمدة الصحفية تقرأ بصوت عال. أجهشت كطفلة عندما بدأ المترجم قراءة محتوى تلك الأعمدة للمحامي».

«صرح المحامي بيكر هذا الصباح بأن الدفاع عن السيدة أوستر سيكون شكلا من الجنون العاطفي».

«من المتوقع أن تكون محاكمة السيدة أوستر واحدة من أكثر محاكمات الجرائم إثارة على الإطلاق في دائرة محاكم مقاطعة كينوشا، ومحور القصة الإنساني الذي أبرزه محامي دفاع المرأة إلى الآن، من المحتمل أن يتطور خلال المحاكمة».

ثم لا شيء لشهر. في العاشر من شهر مارس، كانت عناوين الصحف:

آنا أوستر حاولت الانتحار

جرت محاولة الانتحار في بيتربورو، أونتاريو في 1910 بتناول حمض الكربوليك وإطلاق الغاز في المكان. قام المحامي بعرض هذه المعلومة أمام المحكمة ليضمن تأجيل المحاكمة لوقت يكفيه لجمع الإفادات. «اعتقد المحامي بيكر أن المرأة بمحاولتها للانتحار قد عرضت أيضا حياة اثنين من أطفالها للخطر، وأن قصة محاولة الانتحار هذه مهمة كونها توضح الحالة الذهنية التي تعاني منها السيدة أوستر».

في السابع والعشرين من مارس، تم تأجيل المحاكمة حتى السابع من أبريل. بعدها، أسبوع من الصمت. ثم، في الرابع من أبريل، بينما كانت الأمور تأخذ في الركود، حدث تطور جديد.

سامويل أوستر يطلق النار على أرملة أخيه

«سامويل أوستر، شقيق هاري أوستر.. قام بمحاولة فاشلة للانتقام لموت شقيقه فقط اليوم بعد العاشرة صباحا عندما أطلق النار على السيدة أوستر.. حدث إطلاق النار قريبا من بقالة ومخازن ميلر….»

قام سامويل بتتبع السيدة أوستر حتى باب البقالة، وأطلق عليها النار لمرة واحدة. على الرغم من أن السيدة أوستر لم تصب بشيء، إلا أنها انهارت على الرصيف، بينما عاد سامويل للبقالة قائلا بشهادة الشهود، «حسنا، أنا سعيد بما فعلت». ثم انتظر بهدوء ليتم اعتقاله…

«في مخفر الشرطة.. كان سامويل منهار الأعصاب تماما، وأوضح سببه لإطلاق النار».

تلك المرأة، قال «قامت بقتل إخوتي الأربعة كلهم مع أمي. حاولت مساعدتها لكنها لم تسمح لي بفعل ذلك». ثم، أثناء ما كان يقاد إلى الزنزانة، بكى، قائلا «لكن الله سيأخذ حقي، أؤمن بذلك».

في زنزانته، صرح سامويل بأنه فعل كل ما بوسعه لمساعدة أطفال شقيقه المقتول. حقيقة أن المحكمة رفضت تعيينه كمسؤول عن عقارات أخيه لأن الأرملة لها حق فيها قد أثرت على قدراته العقلية مؤخرا.. «إنها ليست أرملة» علق على ما حدث صباح اليوم. «إنها مجرمة وينبغي ألا تملك أي حق….»

«لن يستدعى سامويل إلى المحكمة فورا ليتسنى للتحقيق أن يكتمل. تدعي الشرطة بأن موت أخيه وأحداثا أخرى تبعتها قد شوشت على ذهنه وجعلته غير مسؤول عن تصرفاته. عبر أوستر عن أمله في أن يموت هو أيضا، وتم اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لمنعه من إنهاء حياته».

صحيفة اليوم التالي كان لديها ما تضيفه: «بالأحرى، قضى سامويل ليلة ثقيلة في سجن المدينة. لأكثر من مرة وجده رجال الأمن ينشج في زنزانته وبدا في وضع هستيري….»

«تم التصريح بأن السيدة أوستر قد عانت من (أعصابها المنهارة) نتيجة الرعب الذي مرت به أثناء الاعتداء على حياتها يوم الجمعة، لكن أعلن بأنه سيكون بمستطاعها التواجد في المحكمة عندما ينادى على بدء المحاكمة في القضية المرفوعة ضدها مساء الاثنين».

بعد ثلاثة أيام، وصل المجلس إلى تصور عن القضية. مجادلا بأن الجريمة كانت عن سبق الإصرار والترصد، اتكأ المدعي العام بثقل كبير على شهادة السيدة ماثيوز؛ موظفة في بقالة ومخازن ميلر، وقد ادعت بأن «جاءت السيدة أوستر إلى البقالة في يوم الجريمة ثلاث مرات لاستخدام الهاتف. في إحداها قامت السيدة أوستر بالاتصال بزوجها وطلبت منه المجيء للمنزل كي يصلح الإنارة. قالت بأن السيد أوستر قد وعدها بالمجيء الساعة السادسة».

وحتى لو أنها طلبت منه المجيء للمنزل، لا يعني ذلك أنها عزمت على قتله فور وصوله هناك.

لم يكن هناك من فرق على أية حال. مهما كانت الوقائع التي حدثت، تمكن محامي الدفاع بدهاء من قلب كل شيء لمصلحته. كانت استراتيجيته هي أن يقدم أدلة عاطفية على صعيدين: في اليد الأولى، إثبات الخيانة من جانب جدي، وفي الأخرى، شرح تاريخي للحالة الذهنية غير المستقرة التي تعانيها جدتي – كل الأدلة تتعاضد لتقديم قضية مبررة للقتل «بسبب الجنون». سيؤدي المهمة أي من الجانبين.

كلمة المحامي بيكر في افتتاحية الجلسة كانت محسوبة لاستدرار أية أونصة ممكنة من الشفقة من هيئة المحلفين. «روى كيف أن السيدة أوستر شاركت زوجها في الكدح لبناء السكن والسعادة اللذين كانا من نصيبهما في كينوشا بعد أن عبرا سنوات عديدة من الشقاء.. (حينها، بعد أن جاهدا معا لبناء هذا السكن) أكمل المحامي بيكر.. ها هي تجيء امرأة فاتنة من المدينة وتبعد السيدة أوستر جانبا كممسحة. بدلا من توفير الطعام لعائلته، قام زوجها بوضع فاني كوبلان في شقة في شيكاغو. المال الذي ساعدت هي على جمعه كان ينثر على امرأة أكثر غواية منها، وبعد هذا الاعتداء، هل هناك أي شك بأن قدراتها العقلية قد تشتت وأنها للحظة واحدة فقدت السيطرة على حواسها».

الشاهد الأول للدفاع هي السيدة إيليزابث قروسمان، شقيقة جدتي الوحيدة، التي عاشت في مزرعة قريبة من برونسويك، نيو جيرسي. «قدمت شهادة باهرة، حكت ببساطة القصة الكاملة لحياة السيدة أوستر؛ منذ ولادتها في النمسا؛ وموت والدتها وهي في السادسة من عمرها فقط؛ وعن الرحلة التي جمعتهما معا لهذه البلاد بعدها بثماني سنوات؛ عن ساعات العمل الطويلة في حياكة القبعات والأغطية في أحد المحلات النسائية في نيويورك»، وكيف من خلال هذا العمل استطاعت امرأة مهاجرة جمع بضع مئات من الدولارات. روت عن زواج المرأة بالسيد أوستر بعد وصولها للثالثة والعشرين من عمرها فقط وعن مشاريعهما التجارية؛ عن فشلهما في دكان صغير للحلويات، وعن رحلتهما الطويلة إلى لورينس، كانساس، أرادا المحاولة مرة أخرى حيث ولد طفلهما الأول؛ عن عودتهما إلى نيويورك وفشلهما الثاني في مشروع تجاري انتهى بإفلاسهما التام وطيران السيد أوستر إلى كندا؛ حكت عن التحاق السيد أوستر بزوجها في كندا؛ عن أن السيد أوستر قد هجر زوجته وأبناءه الصغار وكيف أنه قال إنه يريد أن ’يشق طريقه بنفسه‘، و كيف أنه أخبر زوجته بأنه يقتطع خمسين دولارا من المصاريف لكي يتم العثور على مال كاف عند موته يكفي لدفنه بشكل لائق.. قالت بأنهما أثناء ما كانا يقطنان كندا، كانا يدعيان بالسيد والسيدة هاري بول.

«شرخ صغير في القصة لم يكن ممكنا ملؤه من قبل السيدة قروسمان، فتولى ذلك رئيس الشرطة السابقة آرشي مور، وآبراهام لو، كلاهما من مقاطعة بيتربورو، كندا. أخبر الرجلان عن انتقال السيد أوستر من بيتربورو وعن حزن زوجته. السيد أوستر، قالا، ترك بيتربورو في الرابع عشر من يوليو، 1909، وفي الليلة التالية وجد السيد مور السيدة أوستر في غرفة في منزلهم الرث تعاني من أعراض إطلاق الغاز في المنزل. هي وأطفالها كانوا يستلقون على فرش على الأرض بينما كان الغاز ينطلق من أربع عيون غاز مفتوحة. أخبر السيد مور عن عثوره بعدها على قنينة من حمض الكربوليك في الغرفة وأن بقايا من الحمض كانت على شفتي السيدة أوستر. تم نقلها للمستشفى، قال الشاهد، وكانت مريضة لعدة أيام. صرح الرجلان كلاهما برأيهما في أن السيدة أوستر قد أظهرت بلا شك علامات على الجنون أثناء محاولتها إنهاء حياتها في كندا».

شهود آخرون من ضمنهم الطفلان الكبيران، كل واحد منهما قام بتأريخ مشكلات العائلة المنزلية، قيل الكثير عن فاني، و عن المشاحنات المتكررة في البيت، «قال بأن للسيد أوستر عادة رمي الصحون وأواني الزجاج حتى أنه في إحدى المرات جرحت ذراع أمه بشكل سيىء للغاية وكان من الضروري الاتصال بطبيب ليعتني بها، صرح بأن والده كان يستخدم لغة دنسة و بذيئة مع أمه في تلك الأوقات…»

شاهدة أخرى من شيكاغو شهِدت بأنها لطالما رأت جدتي تخبط رأسها بالجدار في نوبات من المعاناة الذهنية، ضابط شرطة من كينوشا روى بأنه «في إحدى المرات رأى السيدة أوستر تركض بلا تحفظ في الشارع، أكد بأن شعرها كان بشكل أو بآخر منكوشا، وأضاف أنها كانت تتصرف كامرأة فقدت عقلها». دعي طبيب أيضا وأكد بأنها كانت ولا تزال تعاني من «هوس حاد».

شهادة جدتي نفسها استمرت لثلاث ساعات، «بين شهيق البكاء واللجوء للدمع، روت قصة حياتها مع السيد أوستر حتى وقت الحادثة.. وقفت السيدة أوستر لامتحان الأسئلة المقاطعة لها بشكل جيد، و قد رويت قصتها لأكثر من ثلاث مرات بنفس الطريقة تقريبا».

في محصلته «صنع المحامي بيكر نداء عاطفيا قويا لإطلاق سراح السيدة أوستر في خطبته التي استمرت حوالى الساعة والنص أعاد رواية قصة السيدة أوستر بشكل بليغ لعدة مرات، حركت كلمات المحامي السيدة أوستر نحو الدمع وامرأة من الحضور بكت أكثر من مرة أثناء ما كان المحامي يلون لوحة كفاح امرأة مهاجرة تسعى للمحافظة على بيتها».

فتح القاضي لهيئة المحلفين خيارا لحكمين قضائيين: مذنبة أو بريئة من الجرم، استغرقوا أقل من ساعتين ليشكلوا قرارهم، وكما ذكرت نشرة الثاني عشر من أبريل: «في الرابعة والنصف بعد ظهر اليوم، هيئة المحلفين في محاكمة السيدة آنا أوستر سلمت حكمها القاضي بأنها وجدت أن المدعى عليه ليس مذنبا».

الرابع عشر من أبريل، «أنا أكثر سعادة الآن مما كنت عليه لسبعة عشر عاما، قالت السيدة أوستر بعد ظهر السبت بينما كانت تصافح كل فرد من هيئة المحلفين بعد تسليمهم لحكمهم، طوال حياة هاري قالت لأحدهم: كنت قلقة لم ألتق أبدا بالسعادة الحقيقية، يؤسفني الآن أنه كان عليه الموت بيدي أنا سعيدة الآن كما كنت أرجو دائما أن أكون..»

«فور أن غادرت السيدة أوستر قاعة المحكمة، صاحبتها ابنتها وطفليها الأصغرين اللذان انتظرا بصبر في قاعة المحكمة حتى سلمت هيئة المحلفين حكمها الذي حرر أمهم..»

«كان سامويل أوستر في سجن البلدة، و بينما لم يكن بمقدوره استيعاب ما حصل، قال بأنه سيخضع لقرار المحلفين الاثني عشر..»

«في الليلة الماضية عندما سمعت بالحكم، قال في مقابلته على برنامج صباح الأحد: سقطت على الأرض، لم يكن بمقدوري تصديق أنها ستفلت حرة بعد قتلها لأخي وزوجها، ذلك كله كثير جدا علي، لا أفهم كيف، لكنني سأدع الأمور تسير الآن، حاولت مرة أن أصلح الأمور بطريقتي لكنني فشلت، ولا أستطيع أن أفعل شيئا الآن غير القبول بما وصلت إليه المحكمة»

في اليوم التالي، هو أيضا، أطلق سراحه، «سأعود إلى عملي في المصنع، قال سامويل للمدعي العام، ريثما أحصُل على أموالٍ كافية، سأرفع شاهدة حجرية على قبر أخي ثم سأسخر طاقاتي لمساعدة أبناء أحد إخوتي، الذي عاش في النمسا ومات مقاتلا في الجيش النمساوي»

كشف المؤتمر الصحفي هذا الصباح عن حقيقة أن سامويل أوستر هو أصغر الإخوة الخمسة أوستر، ثلاثة منهم قاتلوا مع الجيش النمساوي في الحرب العالمية وجميعهم سقطوا في المعركة.

في الجزء الأخير من المقالة الأخيرة عن القضية، نقلت الصحيفة أن «السيدة أوستر الآن تخطط لأخذ الأطفال والمغادرة نحو الشرق خلال أيام قليلة.. قيل بأن السيدة أوستر قررت القيام بذلك لنصيحة من محاميها، الذي أخبرها بأن عليها الانتقال لبيت جديد والبدء بحياة دون أن يعرف أي أحد عن قصة المحاكمة.

كانت أفترض، نهاية سعيدة على الأقل لقراء صحف كينوشا، المحامي البارع بيكر وبلا شك لجدتي، لم يذكر شيئا أكثر، بالطبع، فيما يتعلق بثروة العائلة أوستر، تنتهي الأخبار العامة عن العائلة بإعلان أنها ستنتقل للشرق.

ولأن أبي نادرا ما حدثني عن ماضيه، عرفت القليل فقط مما تبع ذلك، ولكن من خلال الأمور القليلة التي ذكرها، كان بإمكاني تكوين فكرة جيدة عن المناخ الذي نمت فيه العائلة.

مثلا، كانوا في تنقل دائم، لم يكن غريبا على أبي أن ينضم لمدرستين أو حتى ثلاث مدارس مختلفة في عام واحد، ولأنهم لا يملكون المال الكافي، صارت الحياة سلسلةَ مهارب من الملاك و الدائنين، في عائلة مغلقة على نفسها سلفا، حياة الترحل هذه سورتها تماما، ليس من أماكن ثابتة للعودة إليها: لا بيت، لا بلدة، لا أصدقاء يمكن الاعتبار بهم، العائلة مفردة فقط. كانوا تقريبا يعيشون في محجر. كان أبي هو الولد الصغير، واستمر طوال حياته وهو يكبر إخوته الثلاثة الأكبر سنا منه، عرف في طفولته باسم سوني، كابد من الربو والحساسية، كان جيدا في المدرسة، لعب في المباراة النهائية لفريق الكرة وركض مسافة الـ 440 لصالح فريق «المسار» في سينترال هاي، نيوارك. تخرج في السنة الأولى من الكساد الكبير، داوم في كلية القانون ليلا لفصل أو فصلين، ثم ترك الدراسة، بالضبط كما فعل إخوته من قبله.

تمسك الإخوة الأربعة ببعضهم. هناك شيء أشبه ما يكون بولاء القرون الوسطى لأحدهم تجاه الآخرين، وعلى الرغم من امتلاكهم لما يختلفون به عن بعضهم البعض، و بطرقٍ كثيرة حتى لكأنهم لا يشبهون بعضهم، إلا أنني أفكر فيهم ليس كأربعة أشخاص منفصلين، ولكن كعشيرة، صورة رباعية من التضافر، ثلاثة منهم (الثلاثة الأصغر) شبوا كشركاء عمل، وعاشوا في نفس البلدة، والرابع الذي عاش على بعد بلدتين منهم فقط، جعل مسؤول عن عمل يملكه الثلاثة الآخرون. كان يوما نادرا جدا ذاك الذي لم يلتق فيه أبي بإخوته، ويجري ذاك على حياته بأكملها: كل يوم لأكثر من ستين عاما.



التقطوا عاداتهم من بعضهم البعض، الاستعارات الأدبية، اللفتات البسيطة، متمازجون إلى درجة يستحيل معها معرفة أيهم كان المصدر لسلوك معين أو فكرة ما، لم تتزحزح مشاعر أبي، لم يتكلم بشيء سيىء عن إخوته. مرة أخرى، إنه الآخر معرفا لا بأفعاله، ولكن بمن هو، لو حدث أن أحد إخوته قد استصغره أو قام بفعل مستهجن، فسيرفض أبي بالرغم من ذلك إطلاق أي حكم عليه، إنه أخي سيقول، وكأن ذلك يفسر كل شيء، الأخوة كانت المبدأ الأول، المسلمة التي لا جدال فيها، السورة الواحدة والوحيد للإيمان، كالاعتقاد بالله، التساؤل حوله هرطقة.

الحلقات من 15 إلى 20





الحلقة 15 - 16 



لكونه الصبي الأصغر، كان والدي الأكثر وفاء بين الأشقاء الأربعة وكان أيضا الأقل احتراما من قبل الآخرين. تولى الأعمال الأصعب، كان الأكثر سخاء على أبناء وبنات أخته وإخوته، رغم ذلك لم تكن تلك الأمور ملحوظة بشكل كامل، وقد نالت القليل من التقدير، تتذكر أمي أنه في يوم زفافها، في الحفل الذي يتلو مراسم العرس، أحد أشقائه قام في الواقع بمراودتها عن نفسها، وحتى لو أنه تعذر لما حدث بالطيش، فذاك أمر آخر، لكن الواقع الصرف لمضايقتها بذاك الشكل يعطي فكرة مقربة لكيف كان يشعر هو تجاه والدين، أنت لا تقوم بفعلِ من ذاك النوع في يوم زفاف رجل، حتى لو كان شقيقك.

جدتي تتوسط العشيرة، ماما يوكوم اليهودية، أم تقف عندها كل الأمهات، ضارية، عنيدة، الزعيمة، كان معروفا أن الإخلاص لها هو ما جعل الإخوة مقربين، وحتى و هم رجال ناضجون، بزوجات و أبناء أنجبوهم، كانوا بوفاء يطرقون منزلها كل ليلة جمعة للعشاء -من دون أسرهم. كانت هذه هي العلاقة ذات الأهمية، و لها الغلبة على ما عداها. لا تزال هناك صورة هزلية بعض الشيء عنها: أربعة رجال ضخام، يرتفع الواحد منهم لأكثر من ستة أقدام، ينتظرون أوامر امرأة مسنة، أقصر منهم بقدم و أكثر.

في إحدى المرات القليلة التي قدموا فيها برفقة زوجاتهم، حدث أن أحد الجيران زار البيت وتفاجأ بوجود هذ التجمع العامر، هل هذه عائلتك، سيدة أوستر؟ سألها، بلى، أجابت، بابتسامة اعتزاز واسعة، هذا __. و هذا__. و هذا__. و هذا سام. تراجع الجار قليلا من الدهشة، وهذه السيدات الجميلات، سألها، من هن؟. أوه، أجابت بتلويحة عفوية من يدها، تلك زوجة__. وتلك زوجة__. وتلك زوجة__. وتلك زوجة سام.

لم تكن الصورة التي رسمت لها في صحيفة كينوشا دقيقة على الإطلاق، عاشت لأجل أطفالها. (المحامي بيكر: أين يمكن لامرأة برفقة خمسة أطفال كهؤلاء أن تذهب؟ إنها متشبثة بهم وتستطيع المحكمة رؤية أنهم متشبثون بها، وفي نفس الوقت، كانت مستبدة، تصاب بنوبات من الصراخ والهستيريا عندما تغضب، تهوي على رؤوس أبنائها بالمكنسة، كانت تطلب الطاعة، و قد حصلت عليها.

مرة، عندما وفر أبي مبلغا ضخما مجموعه عشرة أو عشرين دولارا من توزيعه للصحف كي يشتري لنفسه دراجة جديدة، دلفت أمه لغرفته، كسرت حصالته التي على شكل خنزير، وأخذت المال منه بلا أدنى اعتذار، احتاجت المال لدفع بعض الفواتير، ولم يكن لأبي أي ملاذ، لا وسيلة ليبعث بشكواه. حينما روى لي هذه القصة، لم يكن قصده أن يريني كيف أن أمه قد ظلمته، ولكن ليبين أن مصلحة العائلة كانت دائما أهم من المصلحة الذاتية لأي فرد منها ربما كان مستاءً، لكنه لم يتشك.

كان ذاك حكما نابعا من هواه. بالنسبة لطفل، ما حدث يعني أن السماء قد تهوي على رأسه في أية لحظة، أنه لن يستطيع أن يثق بأي شيء، لذلك تعلم ألا يثق بأحد أبدا ولا حتى نفسه. سيأتي أحد دوما ليثبت أن ما آمن به كان خاطئا، أنه لا يعول عليه في أي أمر. تعلم ألا يرغب في أي شيء بشدة.

عاش أبي مع جدتي حتى بلغ عمرا أكبر مني الآن، كان آخر واحد ينصرف معتمدا على نفسه، الواحد الذي ترك في الخلف ليعتني بها، سيكون خطأ القول، مع ذلك، أنه كان ابن أمه، كان مستقلا جدا، تم تلقينه جيدا بسبل الرجولة عن طريق إخوته، كان طيبا معها، بارا بها ومجيبا لرغباتها، ولكن لا يخلو ذلك من الإبقاء على مسافة معينة، حتى في الدعابة.

بعد زواجه، هاتفته كثيرا، تزن عليه في هذا الأمر وذاك، و يكون من أبي أن يدني سماعة الهاتف ويضعها على الطاولة، يتمشى لعدة دقائق، ثم يعود للهاتف، يرفع السماعة، و يقول شيئا لا معنى له لتفهم أنه لا يزال هناك (أها، أوه، أهااا، إمممممم، هذا صحيح)، ثم يتجول مرة أخرى، ذهابا وإيابا، إلى أن تخرج كل ما بنفسها من كلام.

الجانب الهزلي من انسداده. وأحيانا جرى ذلك بشكلٍ خدمه جيدا.

أتذكر مخلوقا ضئيلا ومتغضنا يجلس في الردهة الأمامية لمنزل عائلتين في ويكوايهك، نيوارك، يقرأ صحيفة «الأمام اليهودية اليومية». بالرغم من علمي بأن علي فعل ذلك متى ما رأيتها، فكرة أن أقبلها جعلتني أنكمش، كان وجهها متجعدا جدا، بشَرتها ناعمة بشكل لا بشري، والأسوأ من ذلك كان رائحتها رائحة استطعت تمييزها لاحقا على أنها الكافور، الذي كانت بالتأكيد تضعه في أدراج منضدتها، والذي بمرور السنوات تسرب إلى خيوط ملابسها، هذا الشذا لم يكن ينفصل في مخيلتي عن فكرة «الجدة».

إلى أبعد ما يمكنني تذكره، لم يكن لها أي اهتمام ظاهري بي. المرة الوحيدة التي أعطتني فيها هدية، كان كتابا مستعملا من قبل طفلين أو ثلاثة قبلي، سيرة ذاتية لبينجامين فرانكلين. أتذكر قراءتي له كاملا حتى أنني أستطيع أن أستدعي بعض الوقائع، زوجة فرانكلين المستقبلية، مثلا، ضحكت منه في المرة الأولى التي التقته فيها يتجول في شوارع فيلاديلفيا متابطا قطعة رغيف كبيرة، كان للكتاب غلاف أزرق رسم عليه مصورات ظلية. من المؤكد أنني كنت في السابعة أو الثامنة في ذلك الوقت.

بعد موت أبي، كشفت عن وجود صندوقٍ كان يعود مرة لأمه في قبو منزله، كان مقفولا، فقررت أن أفتحه بالقوة، بمطرقة و مفك براغ، ظانا أنه ينطوي على سر دفين، كنز ضائع لزمن طويل، وبسقوط المغلاق ورفعي للمزلاج، كانت هناك، مرة أخرى تلك الرائحة، مندفعة نحوي، مباشرة، محسوسة، لكأن جدتي نفسها كانت هناك. شعرت أنني للتو قد فتحت تابوتها.

لا شيء مهم وجدته فيه: مجموعة من سكاكين الحفر، كومة من المجوهرات الزائفة، أيضا، غلاف بلاستيكي صلب لكتاب الجيب، وصندوق ثماني الأضلاع بذراع مثبتة، أعطيت هذا الشيء لدانيال، ورأسا بدأ باستخدامه على شكل كراج متحرك لأسطول السيارات والشاحنات الصغيرة الذي عنده.

عمل والدي بشقاء طوال حياته، حصل على وظيفته الأولى في سن التاسعة، في الثامنة عشرة كان يدير عملا في تصليح أجهزة الراديو مع أحد أشقّائه، باستثناء فترة قصيرة عين فيها كمساعد في معمل توماس إيديسون (سحبت منه الوظيفة في اليوم التالي لمعرفة إيديسون أنه يهودي)، لم يشتغل والدي لأحد غير نفسه، كان رئيسا مرهقا جدا، أكثر تطلبا من أي أحد غريب.

انتهى محل أجهزة الراديو ليصير متجرا صغيرا للأجهزة، و الذي بدوره تحول إلى دكان واسع للمفروشات، من هناك بدأ بالاشتغال في العقارات (يبتاع مثلا، منزلا لأمه كي تسكن فيه)، حتى أخيرا استبدل الدكان بهذا العمل، مركزا اهتمامه به حتى صار مجالا تجاريا في حد ذاته، شراكته مع اثنين من إخوته استمرت من مجالٍ لآخر.

مبكرا في الاستيقاظ كل صباح، متأخرا عن المنزل في الليل، وبينهما، العمل، لا شيء سوى العمل. العمل كان اسم البلدة التي عاش فيها، وكان واحدا من وطنييها العظماء. ذلك لتفادي القول بأن العمل، مع ذلك، كان متعة له. عمل جاهدا لأنه أراد الحصول على أكبر قدر متاح من المال. العمل وسيلة تنتهي بشيء .. وسيلة للمال. لكن حتى تلك النهاية لم تكن تهبه المتعة. كما كتب الشاب ماركس: «إذا كان المال هو ما يربطني بالحياة الإنسانية، ويربط المجتمع بي، يربط بيني وبين الإنسان والطبيعة، أليس المال هو رابط الروابط إذن؟ هل يستطيع ألا يضمحل وأن يربط كل العلاقات؟ أليس هو، بالتالي، العميل الكوني للتفريق؟».

كان يحلم طوال حياته بأن يصبح مليونيرا، أن يصير أغنى رجل في العالم. لم يكن المال نفسه ما أراد، و لكن ما يمثله: ليس النجاح وحسب في أعين العالم، ولكن كطريقة ليجعل نفسه غير ملموس. امتلاك المال يعني أكثر من القدرة على شراء الأشياء: إنه يعني أن ما يحتاجه العالم لن يؤثر فيك. المال بمعنى الحماية، إذن، لا المتعة. كونه كان بلا مالٍ وهو طفل، ولذلك هشا أمام نزوات العالم، صارت فكرة الثراء تعادل عنده فكرة الهـرب: من الأذى، من المعاناة، من أن يكون ضحية. لم يكن يحاول شراء السعادة، ولكن ببساطة غياب التعاسة. كان المال هو الترياق، تجسيد لرغباته العميقة والمتعذرة عن الوصف كآدمي. لم يكن يريد أن يصرفه، أراد أن يمتلكه، أن يطمئن إلى أنه هناك. المال ليس بوصفه إكسيرا، إذن، ولكنه ترياق للسم: قنينة صغيرة من الدواء تحملها في جيبك عندما تخرج ذاهبا للغابة، فقط لاحتمال أن تلدغك أفعى سامة.

في بعض الأوقات، إحجامه عن صرف المال كان جسيما ويتبدى كأنه مرض. لم تصل الأمور إلى الحد الذي ينكر على نفسه ما يحتاج (حاجاته كانت قليلة) ولكن بحذق، في كل مرة كان عليه أن يشتري فيها شيئا ما، كان يختار الحل الأرخص. كان التسوق بالمساومة أسلوب حياة.

التستر بهكذا سلوك كان نوعا من الإدراك الحسي البدائي. كل الفروقات تمحى، ينخفض كل شيء إلى القاسم المشترك الأصغر. اللحم كان لحما، الأحذية كانت أحذية، القلم كان قلما. لم يكن مهما أن يكون بمقدورك الاختيار بين شريحة من لحم صدر البقر أو قطعة من الكتف، إن هناك أقلاما برؤوس دائرية للاستعمال الواحد فقط بـ 39 سِنتا وأقلام حِبر بخمسين دولارا بإمكانها أن تدوم لعشرين عاما. الأشياء الفاخرة بحق كان مصيرها المقت دوما: إنها تعني أن عليك أن تدفع سِعرا مفرطا، مما يجعل الأمر فاسدا أخلاقيا. وبمستوى أعم، ترجم هذا السلوك نفسه ليصير حالة دائمة من الشعور بالعوز: بإغلاق عينيه بقوة، درأ عن نفسه أية صِلة حميمية بأشكال العالم وتناسجه، قطع نفسه تماما عن أي احتمال لاختبار المتعة الجمالية. العالم الذي أطل عليه كان حيزا عمليا. كل شيء فيه له قيمة وسِعر، والفكرة هي أن تحصل على الأشياء التي تحتاجها بسِعر أقرب ما يكون للقيمة. يتم استيعاب كل شيء وِفقا لوظيفته فقط، يقدر بتكلفته و حسب، لا كشيء ذي جوهرٍ ويحمل خصائصه التي تميزه. بطريقةٍ أخرى، خيل لي أن العالم كان يبدو له بقعة باهتة. ألبسة متشابهة، بلا ألوان، وبلا عمق. إذا نظرت للعالم فقط عبر المال، فأنت في المحصلة لا ترى العالم إطلاقا.

هناك أوقات في صِغري كنت فيها محرجا تماما بسببه في العلن. يساوم الباعة، يغتاظ على الأسعار المرتفعة، يجادل كأن رجولته نفسها على المحك. أتذكر

جليا كيف كان كل شيء يذوي بداخلي، كيف أنني كنت أرغب في أن أكون في أي مكان من العالم ما عدا الذي كنت فيه. حدث معين كنت فيه ذاهبا برفقته لشراء قفازات بيسبول يبرز الآن. يوميا ولمدة أسبوعين كنت أذهب بعد المدرسة إلى المتجر لأستحسن أكثر القفاز الذي أردت. بعدها، عندما أخذني أبي إلى المتجر في مساء ما لشرائه، انفجر على البائع بشدة حتى خفت أن يقطعه إربا. مذعورا، يوجعه قلبه، أخبرته بأن لا يقلق، أنني لم أكن بحاجة للقفازات في النهاية. وبينما كنا نغادر المتجر، دعاني لتناول كوز من الآيسكريم. ذاك القفاز لم يكن جيدا على أيـة حال، قال. سأشتري لك قفازا أفضل منه لاحقا.

أفضل، بالطبع، يعني أسوأ.

يقرعنا طويلا لتركنا أضواء كثيرة مفتوحة في المنزل. كان دائما يشير إلى أنه يشتري مصابيح تعمل بكهرباء ضعيفة بسبب ذلك.

كان عذره لعدم أخذنا للسينما هو: «لماذا نخرج ونبذل ثروة على أفلامٍ ستعرض على التلفزيون خلال سنةٍ أو اثنتين؟».

الوجبات العائلية المتباعدة في مطعم: كان علينا دوما أن نطلب أرخص الأطباق في المنيو. صار ذلك أشبه بالشعيرة. بلى، سيقول، مومئا برأسه، هذا خيار جيد.

بعد سنوات، عندما كنت و زوجتي نعيش في نيويورك، كان أحيانا يأخذنا لتناول العشاء في الخارج. السيناريو نفسه وبدقة دوما: في اللحظة التي تتلو وضعنا لآخر شَوكة طعام في أفواهنا، كان يسألنا، «هل أنتم مستعدون للذهاب؟». من المستحيل حتى النظر في أمر التحلية.

انزعاجه المطلق من جلده. عدم قدرته على البقاء ساكنا، على الاستمرار في حديثٍ قصير، للاسترخاء.

وجودك برفقته يجعلك عصبيا. تشعر وكأنه على حافة المغادرة دوما.

أحب الخدع الذكيةَ الصغيرة، يزهو بنفسه لقدرته على أن يفوق العالم في لعبته دهاء. بخيلا في أكثر جوانب الحياة بساطة، كان ذلك سخيفا بقدر ما كان محبطا. مع سياراته، سيفصل دائما عداد المسافات، محرفا الأميال المقطوعة ليضمن لنفسه سعرا تجاريا أفضل. في منزله، سيقوم دائما بالتصليحات بنفسه بدلا من الاستعانة بخبراء. بسبب أن لديه موهبة نحو الآلات و عرف كيف تعمل الأشياء، سيقوم باختصارات شاذة، مستخدما أية مادة في متناول يده لتركيب حلول روبي غولدبرغ للمشكلات الميكانيكية والكهربائية عوضا عن صرف المال للقيام بذلك بشكلٍ صحيح.

الحلول الدائمة لم تعنِ له شيئا أبدا. استمر في الترقيـع بعد الترقيع، قطعة صغيرة هنا، قطعة صغيرة هناك، لن يسمح لقاربه بأن يغرق، ولكن لن يعطيه فرصة أبدا لأن يطفو..

مزاجه في اللباس: كأنه قبل الزمن بعشرين عاما. بذلات رخيصة الصنع من رفوف المتاجر المخفضة؛ زوج أحذية بلا علبة من سِلالِ بسطات المساومة في الأقبية. و بعيدا عن تقديم إثبات على بؤسه، هذا التغافل عن الأناقة عزز صورته كرجل ليس تماما في العالم. الملابس التي ارتداها كانت أشبه بتعبيرٍ عن العزلة، وسيلة ملموسة لتأكيد غيابه. وبالرغم من أنه كان ميسور الحال، بمستطاعه الحصول على أي شيء أراده، فقد بدا وكأنه رجل فقير، شخص بلدي يخطو للتو خارجا من المزرعة.





الحلقة 17 - 18 



في السنوات الأخيرة من حياته، تغير هذا على نحو طفيف. ربما أن العودة لحياة العازب مرة أخرى قد سببت له صدمة: أدرك أن عليه أن يكون مقبول المظهر إذا أراد أن تكون له حياة اجتماعية من أي نوع. و ما كان أنه خرج و ابتاع ملابس ثمينة، و لكن الجو الذي كانت عليه خزانته قد تغير على الأقل: البني و الرمادي المملان قد نبذا لأجل ألوان أزهى؛ ترك الستايل الذي عفى عليه الزمن لأجل مظهر أكثر ابهاجا و أناقة. بنطلونات مخططة، أحذية بيضاء، كنزات صفراء، جزم ببكلات كبيرة. لكن على الرغم من هذه الجهود، لم يبدو و كأنه في بيته داخل هذه الثياب، لم تكن جزءا مكملا لشخصيته، مما يجعلك تفكر في طفل صغير قد ألبسه والداه ثيابه.

مع الأخذ بعلاقته غريبة الأطوار بالمال (شغفه بالثراء، و عجزه عن الصرف)، كان مناسبا بشكل أو بآخر أنه كان يعتاش بين فقراء. مقارنة بهم، كان رجلا فاحش الثراء. لذلك، بقضائه أيامه بين أناس امتلكوا تقريبا اللا شيء، يستطيع أن يبقي نصب عينيه رؤية أكثر ما يهابه في العالم: أن يكون دون مال. ذلك يضع الأشياء كما يجب بالنسبة له. لم يكن يعتبر نفسه بخيلا- و لكن متعقل، رجل يدرك قيمة الدولار. كان عليه أن يبقى متيقظا. ذاك هو الشيء الوحيد الذي وقف بينه وبين كابوس الإفلاس.

عندما كانت تجارته في ذروتها، امتلك هو وإخوته حوالي المئة بناية. كانت أرضهم هي المنطقة الصناعية الكالحة في شمال نيو جيرسي- مدينة جيرسي، نيوارك- و تقريبا جميع المستأجرين كانوا من السود. قد يقال عنه أنه أحد ملاك الأحياء الفقيرة، لكن لن يكون ذلك في هذه الحالة توصيفا دقيقا أو عادلا. و لم يكن على أية حال غائبا عن ما يملكه. لقد كان هناك، مستنزفا وقته وجهده بطريقة قد تدفع حتى أكثر موظف يقض الضمير للخروج عن طوره.

كان العمل دوما أشبه بألعاب الخفة. هناك بيع وشراء المباني، شراء و تصليح الأجهزة، إدارة جماعات متعددة من رجال الترميم، تأجير الشقق، الإشراف على المراقبين، الاستماع لشكوى المستأجرين، التعامل مع زيارات مفتشي المباني، التعاطي الدائم مع شركات الماء و الكهرباء، و بدون الحديث عن الزيارات المتكررة للمحكمة- كلا الدورين كمشتك و كمدعى عليه- لرفع قضية أجار متأخر، أو للرد على الانتهاكات. كل شيء كان يحدث مرة واحدة، انقضاضات دائمة من دزينة جهات في نفس الوقت، ووحده الرجل الذي يؤدي أعماله بنفسه يستطيع أن يتعامل مع ذلك. كان من المستحيل في أي يوم من الأيام إنجاز كل ما يجب إنجازه في ذلك اليوم. أنت لا تعود للمنزل لأنك انتهيت، بل لأن الوقت ببساطة قد تأخر و لم تعد تملك المزيد منه. تنتظرك المشاكل كلها في اليوم التالي- و أخرى جديدة أيضا. لم تتوقف أبدا. خلال خمسة عشر عاما، أخذ إجازتين و حسب.

كان رقيق القلب مع المستأجرين- يسمح لهم بتأجيل دفع الأجار، يهب الملابس لأطفالهم، يعينهم على إيجاد عمل-

ووثقوا به. الرجال المسنون، الذين يخافون من السطو، يعطونه أغلى ممتلكاتهم ليحفظها في خزينة مكتبه. من بين كل أشقائه، كان الوحيد الذي يقصدونه الناس بمشاكلهم. لم يدعوه أحد بالسيد أوستر. بل كان دائما السيد سام.

بينما كنت أنظف المنزل بعد وفاته، وجدت صدفة هذه الرسالة في قعر درج في المطبخ. من بين كل الأشياء التي وجدتها، أجد نفسي أكثر سعادة لاستعادتي هذه. إنها بطريقة ما توازن دفتر الحساب، وفرت لي برهانا حيا لكل حين يبدأ فيه عقلي بالانحراف بعيدا عن الوقائع. الرسالة معنونة لـ«السيد سام»، و خط اليد تقريبا غير مقروء.

19 أبريل، 1976

العزيز سام،

أعرف أنك متفاجئ لسماع أخباري. قبل كل شيء، من الأفضل أن أقدم لك نفسي. أنا السيدة ناش. شقيقة زوجة السيد آلبرت قروفر،- السيدة قروفر و آلبرت كانا يقطنان في 285 شارع باين في مدينة جيرسي منذ زمن بعيد، و السيدة بانكس شقيقتي أيضا.. لو كنت تذكر على أية حال.

أنت رتبت أمر حصولي و أطفالي على شقة في 327 جادة جونستن،على بعد زاوية فقط من من السيد و السيدة قروفر، شقيقتي.

مهما يكن، غادرت و أنا مدينة بأجار أربعين دولارا، كان ذلك عام 1964 لكنني لم أنس أنني مدينة جدا بهذا المبلغ. والآن، هو ذا مالك. شكرا لكونك لطيفا جدا معي و مع أبنائي في ذلك الوقت. هكذا أقدر بشدة ما فعلته لنا. أتمنى أن تستطيع استدعاء ذاك الزمن. حيث أنك لم تغب أبدا عني.

قبل ثلاثة أسابيع تقريبا هاتفت المكتب لكنك لم تكن فيه تلك الساعة. عسى أن يباركك الله دوما. نادرا ما آتي إلى مدينة جيرسي، و إن حدث ذلك سأتوقف حتما لزيارتك.

مهما يكن الآن، أنا فرحة لتسديدي هذا الدين. هذا كل شيء للآن.

بكل إخلاص،

السيدة ج ب. ناش.

في طفولتي، ذهبت معه من فينة لأخرى في جولاته و هو يجمع الأجار. كنت يافعا جدا لفهم ما كنت أراه، لكنني أذكر الانطباع الذي تركته في، و كأنني، تحديدا، بسبب عدم استيعابي، دخلت في الإدراكات الخام لهذه التجارب بشكل مباشر، حيث لبثت إلى اليوم، حادة كشوكة تحت ظفر الإبهام.

المباني الخشبية بمداخلها المعتمة، غير المضيافة. يحتشد خلف كل باب أطفال يلعبون في شقة ضئيلة جدا؛ أم، متجهمة دائما، منهكة، متعبة، متقوسة على طاولة الكي. الرائحة هي الأشد وضوحا، لكأن الفقر أمر يعدو غياب المال، هو إحساس متجسد، نتانة تغزو رأسك و تجعل التفكير مستحيلا. في كل مرة دخلت فيها مبنا برفقة والدي، أحبس أنفاسي، لا أجرؤ على التنفس، و كأن تلك الرائحة ستؤذيني. كان كل واحد سعيدا دوما لمقابلة ابن السيد سام. منحت ابتسامات و ربتات على رأسي لا تعد ولا تحصى.

مرة، عندما كنت أكبر قليلا، أتذكر مرافقتي له يقود في أحد شوارع مدينة جيرسي و رؤيتي لطفل يرتدي تي-شيرت كبرت على ارتدائه قبل بضعة أشهر. كان تي-شيرت مميزا، بمزيج غير مألوف لخطوط صفراء و زرقاء، و لم يكن هناك من شك في أنه هو نفسه الذي كان لي. و بلا تبرير، غمرني شعور بالخزي.

لا زلت أكبر قليلا، في الثالثة عشرة، الرابعة عشرة، الخامسة عشرة، أذهب معه أحيانا لأحصل على بعض المال بالعمل مع النجارين، الصباغين، و رجال التصليح. مرة، في يوم لا يطاق من شدة الحرارة في منتصف الصيف، وكلت إلي مساعدة أحد الرجال في مسح السطح بالقطران. كان اسمه جو ليفين، (رجل أسود، بدل اسمه إلى ليفين امتنانا لبقال يهودي مسن قام بمساعدته في شبابه)، و كان أكثر عامل يعتمد و يثق به أبي. جذبنا أكثر من خمسين غالونا من براميل القطران إلى السطح، و شرعنا في توزيع ما لدينا عليه بالمكانس. أشعة الشمس المنهمرة على السطح الأملس الأسود كانت غاشمة، و بعد نصف ساعة أو حواليها، دار رأسي، انزلقت على لطخة رطبة من القطران، سقطت، و بطريقة ما خبطت أحد براميل القطران المفتوحة، و انسكب ما به فوقي بشكل كامل.

عندما عدت إلى المكتب بعد دقائق معدودة، انبسط أبي إلى أقصى حد. أدركت أن الوضع مسل حقا لكنني كنت محرجا للغاية من التندر عليه. و مما يحسب لأبي، أنه لم يغضب مني أو يجعلني أضحوكة. لقد ضحك، لكن بطريقة جعلتني أضحك أنا أيضا. ثم ألقى جانبا ما كان يفعل، أخذني، قطعنا الشارع إلى متجر والورث، و ابتاع لي بعض الملابس الجديدة. صار من المحتمل على نحو مفاجئ أن أشعر بأنني قريب منه.

وبمضي السنين، بدأ عمله التجاري بالتراجع. العمل نفسه لم يكن يسوء، و لكنها طبيعة العمل: في ذاك الوقت تحديدا، في ذاك المكان تحديدا، لم يكن من الممكن النجاة. المدن كانت تتهاوى، وبدا أن لا أحد يهتم. ما كان مرة نشاطا مرضِيا، أقل أو أكثر، لأبي، صار الآن كدحا فقط. كره الذهاب للعمل في سنوات حياته الأخيرة.

التخريب أضحى مشكلة جادة لدرجة أن القيام بأي نوع من التصليحات صار تحطيما للمعنويات. فور أن تجري عمليات سمكرة في مبنى ما حتى يقتلع اللصوص المواسير. تكسر النوافذ بشكل دائم، أبواب محطمة، مداخل منزوعة الأحشاء، الحرائق تشتعل. في نفس الوقت، كان بيعها مستحيلا. لم يرِد أحد المباني. الحل الوحيد للتخلص منها هو هجرها وترك المدن تسود. ضاعت مبالغ ضخمة من المال بهذه الطريقة، حياة كاملة من العمل. في النهاية، وقت وفاة أبي، بقي هناك ستة أو سبعة مبانٍ وحسب. تفككت الإمبراطورية برمتها.

آخر مرة كنت فيها في مدينة جيرسي (قبل عشر سنوات على الأقل) كان للمكان منظر منطقة منكوبة، لكأن المغول قد سلبوها. شوارع رمادية ومقفرة؛ ترتفع القمامة في كل مكان، المنبوذون يتمشون ذهابا و إيابا بلا هدف. نهِب مكتب أبي مرات كثيرة لدرجة أنه لم يبق فيه الآن سوى بعض الطاولات من معدِنٍ رمادي، كراسي معدودة، وثلاثة أو أربعة هواتف. ولا حتى آلة طابعة واحدة، لا أثر لأي لون. ما عاد مكانا للعمل بعد الآن، ولكن غرفة في الجحيم. جلست اراقب البنك في الجهة الأخرى من الشارع. لا أحد خرج منه، ولا أحد دخل إليه. الكائنات الحية الوحيدة هناك كانت كلبين ضالين محدبين على العتبات.

كيف تدبر أمر نزع نفسه والذهاب هناك كل يوم هو شيء خارج عن فهمي. قوة العادة، أو غيره، عناد بحت. لم يكن الوضع كئيبا وحسب، كان خطيرا. سلِب مراتٍ عدة، وفي أحدها تم ركله على رأسه بشراسة من قبل المهاجم لدرجة أن سمعه تضـرر بشكل دائم. خلال آخر أربع أو خمس سنوات من حياته، كان هناك رنين خافت ودائم في رأسه، همهمة لم تبتعد أبدا، ولا حتى في نومه. قال الأطباء إنه لا شيء من الممكن فعله بشأنها.

في النهاية، لم يخرج أبدا إلى الشارع دون أن يحمل في يده اليمنى مِفك براغٍ. كان عمره أكثر من خمس وستين سنة، ولم يكن يريد أن يأخذ مزيدا من الفرص.

عِبارتان قفزتا فجأة إلى رأسي هذا الصباح بينما كنت أرِي دانيال كيف يصنع بيضا مخلوطا.

«والآن أريد أن أعرف، تقول المرأة، بقوةٍ مرعبة، أريد أن أعرف هل بالإمكان العثور على أبٍ آخر مثله في أي مكانٍ في العالم». (إسحاق بابل).

«للأطفالِ ميل دائم إما لانتقاص والديهم أو لرفع شأنهم. وبالنسبة للطفل الصالح، والده هو أحسن الآباء دوما، على مبعدةٍ تماما من أي سبب موضوعي هناك لتقديره». (بروست).

ميزت الآن أنني بالتأكيد كنت إبنا سيئا. أو، إذا لم أكن سيئا بالتحديد، فإذن على الأقل خيبة أمل، بؤرة ارتباكٍ وحزن. لم يكن هناك معنى بالنسبة له في أمر إنجابِه إبنا شاعرا. ولم يكن قادرا على فهم السبب الذي يجعل شابا معه شهادتان من جامعة كولومبيا يعمل بعد تخرجه كبحارٍ على ناقلة نفط في خليج المكسيك، وبعدها، بلا سببٍ أو قَصد، يقلِع إلى باريس و يقضي فيها أربع سنواتٍ معتاشا على الكفاف، مِن يدٍ لِفم.

كان ينعتني دوما بأن «رأسي في الغمام»، أو غيره، أن «لم تكن لدي قدمانِ على الأرض».. بأية طريقة، لم يبدو علي أنني كنت شيئا أساسيا بالنسبة له، وكأنني كنت بشكلٍ ما بخارا أو شخصا ليس من العالم تماما. في عينيه، تصير جزءا من العالم عندما تعمل. و بحكم التعريف، العمل هو جهد لجلب المال. إذا لم يجلب المال، فهو ليس بعمل. الكتابة، بالتالي، ليست عملا، وخاصة كتابة الشعر. هي هواية في أفضل حالاتها، أسلوب جذاب لتمضية الوقت الفاصل بين الأمور المهمة حقّا. ظن أبي أنني أهدِر مواهبي، أرفض أن أنضج.

غير أنه لازال هناك ما يربطنا. لم نكن قريبين، لكنه بقي في المتناول. مكالمة هاتفية كل شهر أو حوله، وربما ثـلاث أو أربـع زيارات في السنة. كلما نشرت كتاب شعر، أقوم بـرا به بإرساله له، وكان دائما يهاتفني شاكرا بعدها. ووقت أن أكتب مقالة لمجلة، أضع جانبا نسخة وأحرص على أن أعطيها له في لقائنا القادم. مراجعة نيويورك للكتب لا تعني شيئا له، ولكن مقاطع التعليقات أدهشته. أعتقد أنه شعر بأنني لو كنت سمحت لليهود بنشره، فلربما حينها يجد فيه ما يستحق.

مرة، عندما كنت لاأزال أحيا في باريس، كتب لي ليخبرني بأنه ذهب للمكتبة العامة ليقرأ بضع قصائد لي حدث أن ظهرت في إصدارٍ قريبٍ لمجلة الشعر. تخيلته في غرفةٍ واسعةٍ وخالية من الناس، في الصباح الباكر قبل الذهاب للعمل: جالسا عند واحدةٍ من الطاولات الممتدة تلك ومعطفه الثقيل لايزال عليه، ينحني لقراءة كلماتٍ لابد أنها لم تكن قابلة للاستيعاب بالنسبة له.

حاولت أن أبقي على هذه الصورة في بالي، برفقة كل الصور الأخرى التي لن ترحل.

اللاتحديد، قوة التضليل الكبيرة في التناقض. أفهم الآن أن كل حقيقةٍ تلغيها الحقيقة التي تليها، أن كل فكرة تحدِث فكرة أخرى تساويها وتعاكسها. من المستحيل قَول شيءٍ دون استدراكه: كان جيدا، أو كان سيئا؛ كان هو هذا، أو كان ذاك. كلها صحيحة. أشعر بعض الأحيان أنني أكتب عن ثـلاثة أو أربعة رجال، كل واحدٍ منهم مميز، كل واحدٍ يناقض الآخرين جميعا. شظايا. أو الفكاهة كشكلٍ للمعرفة.

ومضات الكرم المتفرقة. في تلك الأوقات النادرة التي لم يكن فيها العالم تهديدا بالنسبة له، وازعه للحياة بدا وكأنه العطف. «عسى الرب الطيب أن يبارككم إلى الأبد».

يهاتفه الأصدقاء متى ما كانوا في مشكلة. سيارة عالقة في مكانٍ ما عند منتصف الليل، وسيجر أبي نفسه من السرير وسيحضر للإنقاذ. بطرقٍ معينة، كان من السهل على الآخرين أن يستغلوه. رفض أن يتشكى من أي شيء..

صبر جاوز الطاقة البشرية. هو، على الإطلاق، الشخص الوحيد الذي عرفته يستطيع تعليم أحدٍ قيادة السيارة دون أن يغضب أو ينهار في نوبةٍ عصبية. قد تكون تميل متجها صوب عمود إنارة، ولن يثيره ذلك أبدا.

مستغلق. وبسبب ذلك، يبدو في بعض الأوقات هادئا جدا.





الحلقة الأخيرة 19+20



بدأ الأمر عندما كان لا يزال شابا، كان دائما مهتما بشكل خاص بابن أخته- الولد الوحيد لأخته الوحيدة. عاشت عمتي حياة لم تكن سعيدة، تخللتها سلسلة من زواجات صعبة، فتحمل ابنها العبء عنها: حمل نفسه إلى المدارس العسكرية. و بدافع، أعتقد، اللطف والإحساس بالمسؤولية لا غير، أخذ أبي الصبي تحت جناحه. رعاه باستمرار وكان دائما ما يشجعه، علمه كيف يمضي قدما في العالم. لاحقا، ساعده في العمل، و كلما قفزت مشكلة، كان موجودا هناك ليستمع و يزجي النصائح. وحتى بعد أن تزوج ابن عمتي وأنجب أطفالا وصارت له عائلة تخصه، لم يتوقف أبي عن الاهتمام المستمر به، استضافهم في منزله لفترة تطول عن السنة، و بالتزام أشبه مايكون بالديني يوزع الهدايا على أبناء و بنات أشقائه الأربعة في أعياد ميلادهم، و يزورهم باستمرار لتناول العشاء.

ابن عمتي هذا كان أكثر من اهتز لوفاة أبي من بين أقربائي الآخرين. في اجتماع العائلة بعد الجنازة، جاءني ثلاثة أو أربعة مرات و قال، «مررت عليه بالصدفة في اليوم الماضي. كان من المفترض أن نتناول العشاء سويا ليلة الجمعة».

الكلمات التي استخدمها كانت نفسها تماما في كل مرة. و كأنه لم يعد يعرف ما الذي كان يقوله.

شعرت و كأننا بطريقة ما عكسنا الأدوار، أن يكون هو الابن المحزون و أنا ابن الأخت العطوف. أردت أن ألف ذراعي حول عاتقه و أقول له كم كان والده رجلا صالحا. في النهاية، كان هو الابن الحقيقي، كان الابن الذي ما كان بإمكاني أبدا أن أصيره.

خلال الأسبوعين الماضيين، يتردد صدى هذه الأسطر لموريس بلانكوت في رأسي، «أمر واحد يجب أن يكون معلوما: أنا لم أكتب شيئا استثنائيا أو حتى مفاجئا. الاستثنائي يبدأ في اللحظة التي أتوقف فيها. لكن لم يعد بمستطاعي التكلم بها.»

أن أبدأ بالموت. أن أشق طريقي عائدا إلى الحياة، ومن ثم، أخيرا، أعود للموت.

أو بكلمات أخرى: هباء محاولة أن تقول أي شيء عن أي أحد.

في عام 1972 جاء ليزورني في باريس. كانت المرة الوحيدة التي سافر فيها إلى أوروبا.

كنت أعيش تلك السنة في غرفة صغيرة للخادمات في الطابق السادس، تتسع فقط لسرير و طاولة و كرسي و مجلى للغسيل.

لم يكن يخطط أبي للبقاء لأي فترة من الزمن، من الصعوبة أن تقول إنها إجازة: أربعة أيام في لندن، ثلاثة في باريس، و من ثم الوطن. و لكنني كنت ممتنا لفكرة لقائه و أعددت نفسي لأريه وقتا طيبا.

أمران حدثا، مع ذلك، و جعلا ما أريد مستحيلا. أصبحت مريضا جدا بالانفلونزا؛ و كان علي السفر إلى المكسيك في اليوم التالي لوصوله كي أعمل كاتبا خفيا في مشروع.

انتظرته الصباح كله في ردهة فندق السواح الذي حجز فيه، أتعرق بحمى مرتفعة، أكاد أهذي من الضعف. عندما لم يظهر في الوقت المتفق عليه، جلست هناك لساعة أخرى أو ساعتين، لكنني استسلمت في النهاية و عدت لغرفتي حيث هويت على الفراش.

في آخر النهار، جاء و طرق بابي، أيقظني من نوم عميق. اللقاء كان بالضبط من وحي دوستويفسكي: أب برجوازي يأتي ليزور ابنه في بلد غريب فيجد شاعرا مكافحا تنبعث منه الحمى. انصدم مما رأى، ثار غضبه إذ كيف يمكن لأحد أن يسكن غرفة كهذه، و دفعه ذلك إلى الحركة: جعلني أرتدي معطفي، سحبني إلى عيادة مجاورة، ثم اشترى الحبوب الموصوفة لي. لاحقا، رفض أن يتركني أمضي الليلة في غرفتي. لم أكن في وضع يسمح لي بالمجادلة، لذا، وافقت على البقاء في فندقه.

لم أتحسن في اليوم التالي. و لكن كانت هناك أمور من الواجب الانتهاء منها، و حملت نفسي و أنجزتها. في الصباح أخذت أبي معي إلى الشقة الواسعة على جادة هنري مارتن تعود لمنتج الفيلم الذي بعثني إلى المكسيك. خلال العام المنصرم، كنت أعمل بتقطع لهذا الرجل، أقوم بفعل ما يتطلبه النجاح في الوصول لوظائف القمة- ترجمات، ملخصات النصوص- أمور كانت علاقتها هامشية بالأفلام، والتي على أية حال لم تأخذ اهتمامي. كل مشروع كان أحمق من الآخر، لكن الدفع كان مجزيا، و انا احتجت المال. و الآن يريدني أنا أساعد زوجته المكسيكية على كتاب كانت قد تعاقدت على كتابته لناشر إنجليزي: كيزالكواتل و مغامرات الثعبان ذو الريش. يبدو أنه بهذا العمل قد جاوز الحد قليلا، و كنت قد خيبته بالفعل مرات عدة. و لكن في كل مرة أقول لا، يقوم بزيادة المبلغ المدفوع، و إلى الآن تدفع لي أموال تجعلني لا أملك أن أعطيها ظهري. سأسافر فقط لشهر، و قد دفعت لي الأموال نقدا- مقدما.

هذه هي الصفقة التي شهدها أبي. للمرة الأولى، استطعت أن أرى أنه كان مندهشا. ليس فقط لأني قدته إلى هذا العرض الفاخر و قدمته إلى رجل يتجار في عمله بالملايين، و لكن الرجل الآن يمد لي حزمة من مئات الدولارات بهدوء فوق الطاولة و يتمنى لي رحلة طيبة. كان المال، بالطبع، ما صنع الفرق، حقيقة أن أبي قد رآها بعينيه. أحسست بذلك كانتصار، وكأنني محمي بطريقة ما. للمرة الأولى يكون مجبرا على إدراك أنني أسطيع الاهتمام بنفسي وفقا لشروطي.

السجادة الخضراء الداكنة في المنزل. والمخرج المتملق، مهني، يعاني من الأكزيما، وكاحلين متورمين، يمر على قائمة التكاليف، و كأنني كنت أشتري مجموعة من أثاث غرف النوم بالدين. سلمني ظرفا يحوي الخاتم الذي كان يرتديه أبي عندما مات. بتراخ أضع الخاتم في إصبعي و أزيله بينما كانت المحادثة تأخذ بالرتابة، لاحظت أن الجزء السفلي من حجر الخاتم كان ملطخا ببقايا مزلق صابوني. مرت عدة لحظات قبل أن أجد العلاقة، ثم صار الأمر واضحا على نحو عبثي: أستخدم هذا الغسول لإزلة الخاتم من إصبعه. حاولت أن أتصور الشخص الذي كانت مثل هذه الأمور هي عمله. لم أكن خائفا بقدر ما كنت مفتونا. أتذكر أنني قلت لنفسي: لقد دخلت عالم الحقائق، مملكة التفاصيل الغاشمة. كان الخاتم ذهبيا، بقاعدة سوداء.

استمر مخرج الجنازة في حديثه حول كيف أنه عرف والدي «في الأيام الخوالي،» معطيا طابعا حميميا و نوعا من الصداقة كنت متأكدا أنها لم توجد أبدا. و بينما كنت أعطيه معلومات كي يمررها للصحافة من أجل النعي، استبق ملاحظاتي بمعلومات خاطئة، مسرعا عني للأمام كي يثبت كيف كان مقربا جدا من والدي. في كل مرة يحدث هذا، أتوقف و أصحح له. في اليوم التالي، عندما ظهر النعي في الصحف، الكثير من تلك الأخطاء كانت مطبوعة.

قبل ثلاثة أيام من وفاته، ابتاع أبي سيارة جديدة. قادها مرة واحدة، ربما مرتاين، وعندما عدت لمنزله بعد الجنازة، وجدتها تجلس في الكراج، و بالفعل ميتة، كمخلوق ضخم مجهض. لاحقا في نفس ذاك اليوم، ذهبت للكراج للحظة أختلي فيها بنفسي. جلست خلف مقود السيارة هذه، أستنشق الصناعة الغريبة فيها. القراءة في مقياس المسافات كان ستة و سبعين ميلا. و حدث أن أبي كان في عمر السادسة و السبعين. ذلك الإيجاز أمرضني. و كأن تلك القراءة كانت للمسافة بين الحياة و الموت. رحلة قصيرة، بالكاد أطول من القيادة للمدينة المجاورة.

ندم أمضى: لم أحصل على فرصة لرؤيته بعد موته. دون اهتمام، افترضت أن التابوت سيكون مفتوحا خلال مراسم الجنازة، و حينها، عندما لم يكن مفتوحا، كان الوقت متأخرا لفعل أي شيء إزاء ذلك.

عدم رؤيتي له ميتا حرمني من عذاب لكنت قد رحبت به. ما كان الأمر و كأن موته ليس حقيقيا تماما، و لكن الآن، كلما أردت رؤية ذلك، كلما أردت لمس حقيقة ما حدث، لابد لي من الانشغال بالتخيل. لا شيء هناك لأتذكره. لا شيء سوى شكل من الفراغ.

عندما كشف عن القبر لإنزال التابوت، تبينت جذرا برتقاليا غليظا مندفعا في الحفرة. كان له بشكل غريب تأثير مهدئ علي. للحظة لم تكن الحقيقة الصرفة للموت قادرة على الاختباء خلف الكلمات و طقوس المراسم لوقت أطول. هنا كانت: دون وساطة، بلا زينة، من المستحيل أن أشيح بعيني بعيدا عنها. كان أبي ينزل في الأرض، و مع الوقت، بينما يتفكك التابوت، سيساعد جسده في تغذية ذاك الجذر الذي رأيته. أكثر من أي شيء قيل أو فعل ذاك اليوم، هذا ما كان له معنى بالنسبة لي.

القس الذي رتب مراسم العزاء كان الرجل نفسه الذي ترأس حفل بلوغي قبل تسعة عشر عاما. في المرة الأخيرة التي رأيته فيها كان رجلا صغيرا حليق الوجه. أسن الآن، بلحية رمادية كاملة. لم يكن يعرف أبي، في الحقيقة لم يعرف شيئا عنه، و قبل نصف ساعة من بداية المراسم جلست معه و أخبرته بما عليه قوله في التأبين. أخذ ملاحظات في قصاصات صغيرة من الورق. عندما حل الوقت ليلقي كلمته، تحدث بمشاعر طاغية. الموضوع كان رجلا لم يعرفه قط، و رغم ذلك أعطى انطباعا أنه يتكلم من قلبه. أستطيع سماع بكاء امرأة خلفي. كان يحذو ما أخبرته كلمة بكلمة.

يخطر على بالي أنني بدأت بكتابة هذه القصة قبل وقت طويل، في زمن يسبق وفاة أبي.

ليلة بعد ليلة، أستلقي مستيقظا على الفراش، عيناي مفتوحتان في العتمة. استحالة النوم، استحالة عدم التفكير في أمر موته. أجد نفسي أتعرق بين الشراشف، محاولا تصور ماهو شعور أن تصاب بنوبة قلبية. الأدرينالين يضخ في، مثقل رأسي، و يبدو أن جسدي كله يتقلص في المساحة الصغيرة خلف صدري. هناك حاجة للخوض في رعب مماثل، نفس الألم المميت.

السيد المهذب في الجنازة كان عمي الكبير، سامويل أوستر، و هو الآن في التسعين من عمره تقريبا. طويل، بلا شعر، عالي النبرة بصوت خشن. ولا كلمة عن أحداث 1919، و لم أكن أملك قلبا لأسأله. اعتنيت بسام عندما كان طفلا صغيرا، قال. لكن هذا كل شيء.

عندما سئل ما إذا كان يريد شيئا ليشربه، طلب كأسا من الماء الدافئ. ليمون؟ لا شكرا، ماء دافئ فقط.

بلانكوت مرة أخرى: « لكن لم يعد بمستطاعي التكلم بها».

من البيت: مستندات من مقاطعة كلير في ولاية ألباما تعلن بشكل نهائي طلاق والدي. التوقيع في الأسفل: آن مع الحب.

من البيت: ساعة يد، القليل من قمصانه، سترة، ساعة تنبيه، ستة مضارب تنس، و سيارة بيوك صدئة بالكاد تسير. مجموعة من الأطباق، طاولة قهوة، ثلاثة أو أربعة مصابيح. تمثال لجوني وولكر في غرفة البار، صار لداني. ألبوم الفوتوغرافات الفارغ، هذه هي حياتنا: الأوسترز.

ظننت في البداية أنه سيكون أمرا مريحا التعلق بهذه الأشياء، كأنها ستبقي على تذكيري بأبي مما يجعله حاضرا في ذهني و أنا أخوض حياتي. لكن الأشياء، على ما يبدو، ليست شيئا سوى أشياء. اعتدت عليها الآن، بدأت بالظن أنها تعود إلي. أقرأ الوقت بساعته، أرتدي قمصانه، أجول بسيارته. و لكن ذاك كله وهم من صنع الحنين لا أكثر. لقد استوليت بالفعل على تلك الأشياء. غاب أبي عنها، صار غير مرئي مجددا. و قريبا أو بعيدا ستنهار، ستفكك قطعا، و يجب رميها بعيدا. لا ريبة في أن ذلك لن يعني شيئا.

«… هنا يبدو حقا أنه وحده الذي يعمل من يحصل على الرغيف، وحده الذي في الألم من يجد الراحة، وحده الذي يتحدر للعالم السفلي من ينقذ محبوبه.

الثانية بعد منتصف الليل. منفضة طافحة بالرماد، كوب قهوة فارغ، و برد أول الربيع. خيال دانيال الآن، و هو مضطجع في الأعلى في مهده نائما. لأنتهي من هذا.

لأفكر ماذا سيصنع بهذه الأوراق عندما يكبر بما يكفي ليقرأها.



و خيال جسده الصغير اللطيف الشرس، و هو مضطجع في الأعلى في مهده نائما. لأنتهي من هذا.