الحلقة 1
في أحَد الأيام، يحدُثُ أن تكون هنالك حياة. رجُلٌ -مثلًا- في أفضل صحة، ليس مُسِنًا حتى، وبلا تاريخٍ مع المرض. يبدو كل شيءٍ له كما كان، وكما سيكونُ دومًا. يمضي من يومٍ إلى آخر، معتنيًا بشؤونه الخاصة، حالمًا فقط بالحياة الممتدة أمامه. و حينها، بغتةً، يحدُثُ أن يكون هنالك مَوت. يُتيحُ رجلٌ لتنهيدةٍ صغيرةٍ أن تخرج منه، ينهارُ على مقعده، إنه الموت. تلك البغتَة لا تترك متسعًا لاستيعاب ما حدث، لا تعطي الذهنَ فرصةً للبحث عن كلمةٍ واحدة قد تُواسيه. لا يبقَ معنا شيءٌ سوى الموت، الحقيقة التي لا يمكن تبسيطها عن فنائنا. نستطيعُ أن نرضى و أن نُسلِّم بالموت بعد طول مَرَض. و قد نعزو الموت في حوادثَ غير مقصودة إلى القدر. لكن أن يموتَ رجُلٌ بلا سببٍ واضحٍ، أن يموت فقط لأنه رجُل، فذاك يُقرّبنا من الحَد الخفي بين الحياة و الموت، حتى لا يعود بوسعنا أن نعرف في أيّ جانبٍ نحن. تصيرُ الحياةُ الموتَ، و يبدو لكأن هذا الموت قد امتلك هذه الحياة إلى الأبد. الموتُ بلا إنذار.. و بكلماتٍ أخرى: تتوقف الحياة. و بإمكانها أن تتوقف في أيّة لحظة.
وصلتني أخبارُ وفاة أبي قبل ثلاثة أسابيع. كان صباحَ الأحد، و كنتُ في المطبخ أُعدُّ الإفطار لإبني الصغير دانيال. زوجتي في الطابق العلوي لا تزالُ في الفراش، دافئةً تحت الأغطية، تتنعّمُ في السّاعات الإضافية من النوم. الشتاءُ في البلاد: عالمٌ من السكون، من دخان الحطب، من البياض. كان ذهني مشحونًا بتصوراتٍ حول القطعة التي أمضيتُ ليلَ البارحة و أنا أكتبها، و قد كنتُ أتطلّعُ للظهيرة، وقتَ أن يكون بإمكاني العودة للعمل عليها. ثمّ رنّ الهاتف. أدركتُ فورًا بأن هناك خطبًا ما. لا يتصلُ أحدٌ في الساعة الثامنة من صباح أَحَد إلا لإيصال أخبارٍ لا يمكن تأجيلها. الأخبار التي لا يمكنها الانتظار هي دائمًا أخبارٌ كريهة.
لم أستطع تكوينَ فكرةٍ جيّدةٍ واحدة.
و حتى قبل أن نحزم حقائبنا استعدادًا للقيادة لثلاثة ساعات نحو نيوجيرسي، عرفتُ أنني لابد و أن أكتب عن أبي. لم تكن لديّ خطة، ولا فكرة محدّدة عن معنى ما عزمتُ عليه. لا أستطيعُ حتى أن أتذكر اتخاذي لقرارٍ ما بهذا الشأن، لقد كانَ هناك ببساطة.. حتميّة، إلتزامٌ بدأ بفرض نفسه عليّ منذ اللحظة التي أُعطيتُ فيها أخبار الوفاة. فكّرتُ: رحلَ أبي. و إذا لم أتصرف بشكل سريع، ستتلاشى حياته بأكملها معه.
بالنظر للوراء الآن، حتى لو من مسافة قصيرة جدًا كثلاثة أسابيع، أجد أن ردّة فعلي كانت مُريبة. كنت أتخيّل دائمًا أن الموت سيُفقدني القدرة على الشعور، سيشلّني بالأسى. أمّا الآن و قد حدث ما حدث، فإنني لم أذرف دمعًا، لم أشعر و كأن العالم قد تهاوى من حولي. و بطريقة مستغربة، كنت مستعدًا بشكلٍ لافتٍ لتقبّل هذا الموت، بالرغم من بغتته. الذي شوّشني حقًا كان شيئًا آخر، شيئًا لا علاقة له بالموت أو باستجابتي له: اكتشافي بأن أبي لم يخلّف أيّ أثر.
لا زوجة لديه، لا أسرة تعتمد عليه، و لا أحد قد تتبدّل حياته بغيابه. صدمةٌ استمرّت للحظة قصيرة، ربما، طالت أصدقاءه المتناثرين، أفاقوا بقَدر ما كان من فكرة الموت الذي يتنزّه بينهم، بقَدر ما كان من فقد صديقهم، تلتها برهةً قصيرة من الحداد، ثم لا شيء. و أخيراً، سيبدو كما لو أنه لم يعش يوماً على الإطلاق.
كان غائباً على الدوام حتى قبل رحيله، و قد تعلّم المقرّبون منه منذ وقتٍ بعيدٍ على تقبُّل غيابه، و على اعتبار ذلك خاصيّة جوهريّة لوجوده. الآن و قد رحل، فلن يكون صعباً على العالم أن يستوعب حقيقة أنه غاب إلى الأبد. قامت طبيعة حياته بتهيئة العالم لموته -كانت نوعاً من الموت الاستباقي- و إذا و متى ما تمّ استذكاره، فسيكون ذلك بشكل باهت، بشكلٍ خافتٍ لا أكثر.
خالٍ من الشغف نحو شيء ما، أو شخص، أو حتى فكرة. يعجزُ، أو ليس راغباً في كشف نفسه تحت أي ظرف، تَمكّن من الإبقاء على مسافة من الحياة، ليتجنب الانغمار في سرعة الأشياء. تناولَ الطعام، ذهبَ للعمل، لديه أصدقاء، لَعِبَ التنس، و في كل ذلك لم يكن هو هناك. في الأعماق، الشعور الأكثر رسوخاً، كان رجلاً غير مرئي. خفيٌّ عن الآخرين، و على الأرجح خفيٌّ عن نفسه أيضاً. لو كنتُ -في حياته- أبحثُ عنه، لو كانت محاولاتي مستمرّةً لأجد الأب الذي لم يكن هناك. الآن و قد مات، لا زلتُ أشعرُ بأن عليّ أن أستمر في البحث عنه. لم يغيّر الموتُ شيئاً. الفرق الوحيد الذي حدث هو أن الوقت قد نفد مني.
عاشَ وحيداً لخمسة عشر سنة. عنيداً، غامضاً، لكأنّه محصّنٌ من العالم. لم يكن يبدو كرجلٍّ يحتلُّ حيّزاً من الفراغ، و إنما كتلة من حيّزٍ منيعٍ على هيئة رجل. يرتدُّ العالم عنه، يتهشّم أمامه، و أحياناً يلتصقُ به لكنه أبداً لم يخترقه. لخمسة عشر عاماً يسكن مثل شبحٍ بيتاً شاسعاً، لوحده في كل شيء، و في ذاك البيت قد مات.
عِشنا هناك لفترةٍ قصيرة كعائلة أبي، أمي، أختي، و أنا. بعد انفصال والديّ، تبعثرالجميع: شرعت أمي في حياةٍ جديدة، مضيتُ أنا للكليّة، و بقيت أختي مع أمي حتى، هي أيضاً، ذهبت للمدرسة. بقي أبي فقط ماكثاً هناك. بسبب بندٍ في اتفاقيّة الطلاق ينُصّ على أن أمي لا تزال تمتلك حصّة من البيت و أنها ستحصُل على نصف المال المدفوع متى ما بِيع (مما جعل أبي يمانع البيع)، أو لرفضٍ سريٍّ لأن يُغيّر حياته ( لكي لا يبدو للعالم أن الانفصال قد أثّر عليه بشكلٍ لا يمكنه التحكم به)، أو ببساطةٍ لكسله، لفتورٍ في المشاعر منعه من اتخاذ أي قرار، مكث هناك، يعيشُ وحيداً في بيتٍ كان بإمكانه أن يؤوي ستة أو سبعة أشخاص.
كان مكاناً يُثير الإعجاب: عتيقٌ، مبنيٌّ بإحكام، على طراز تيودر إنكلترا، بنوافذ مشبّكة، سقفٌ صخري، و غرفٌ بمعايير ملكيّة. كان شراءه خطوة كبيرة لوالديّ، علامة على نمو ثروتهم. إنه في أفضل جِوارٍ في البلدة على الرغم من كونه مكاناً غير مسلٍّ للعيش (للأطفال خصوصاً)، إذ أثقَلَنَا البرستيج بكَثرَة المحاذير. و نظراً لواقع أنه انتهى لقضاء ما بقي من حياته في ذاك المنزل، كانت مفارقةً ساخرة أن أبي رفض في البداية أن ينتقل إليه. لقد تذمّر من سعره (ثيمة مستمرة)، و عندما لانَ أخيراً، تمّ ذلك على مضض و بسخريةٍ مُرّة. و مع ذلك، دفع قيمته نقداً، كلها دفعة واحدة. بلا رهن، ولا أقساط شهرية. كان العام 1959م، و كانت حركة التجارة على خير ما يرام بالنسبة له.
رجُلٌ معروفُ العادات دوماً، يمضي إلى عمله مبكراً في الصباح، يعمل بجد طوال اليوم، بعدها، عندما يعود للمنزل (في تلك الأيام التي لم يعمل فيها لوقت متأخر)، يأخذ قيلولة قصيرة قبل العشاء. في وقتٍ ما خلال أسبوعنا الأوّل في المنزل الجديد، و قبل انتقالنا تماماً إليه، ارتكب خطأً من نوعٍ غريب. عِوَضَ أن يقود سيارته للبيت عائداً إلى المنزل الجديد بعد العمل، مضى مباشرةً إلى القديم، كما فعل لسنواتٍ خلت، أوقف سيارته بجانب الطريق، دلف المنزل عبر الباب الخلفي، صعد الدرج، دخل غرفة النوم، استلقى على الفراش، و استغرق في النوم. نامَ لساعةٍ تقريباً. لا حاجة للقول بأن سيدة المنزل عندما عادت و رأت رجلاً غريباً ينام على فراشها، تفاجأت قليلاً. لكن خلافاً للمتوقع، لم يهرع أبي قافزاً للهرب بعيداً. اتضح في النهاية سوء الفهم، و ضحك الجميع بطيبة. حتى الآن، مع كل ما حصل، ليس بوسعي دفعَ شعوري بأن هذه القصة مثيرة للشفقة. إنه أمرٌ ليس بذي بال أن يقود رجلٌ سيارته نحو منزله القديم خطأً، لكنه أمرٌ آخرٌ تماماً، في اعتقادي، عدم ملاحظته أن هناك ما تبدّل في المنزل. حتى في أشدّ الأذهان تعباً و تشويشاً، هناك زاويةٌ من النقاء، الاستجابة الفطرية، تُعطي الجسدَ حِسّاً يُحدّد موقعه. على أحدهم أن يكون غير واعٍ تقريباً لكي لا يرى، أو على الأقل لا يشعر، بأن المنزل لم يعد كما كان. العادة، كما تقول عنها إحدى شخصيات بيكت: “مفسدة عظيمة”. و إذا لم يعد الذهن قادراً على الاستجابة للدليل الحسّي، مالذي سيفعله عندما يواجَه بالدليل العاطفي؟.
تقريباً، أثناء تلك الخمسة عشر سنة، لم يغيّر شيئاً في المنزل. لم يُضف أيّ أثاث، و لم يُزِل أيّاً منه. لون الجدران على حاله، لم يُبدّل أصيصَ الزهور و لا الأحواض، و حتى أنه لم يرمِ فساتين أمي- قام بتخزينها في العِليّة. شساعة المكان جعلته في حِلٍّ من تحريك أيٍّ مما يحتويه. لم يكن ذلك بسبب التعلُّق بالماضي و محاولة الحفاظ على المنزل كمتحف. في المقابل، بدا وكأنه ليس واعياً بما كان يفعل. ما كان يحكمه هو الإهمال، لا الذكريات، و حتى كونه مضى في العيش في ذاك المنزل كل هذه السنين، عاشَ فيه كما قد يفعل الغريب عنه. و بمُضيّ السنين، كان الوقت الذي يقضيه فيه يقل و يقل. تناول حوالي كل وجباته في المطاعم، رتّبَ مواعيده الاجتماعية ليصير مشغولاً كل ليلة، و بالكاد استخدم المنزل كمكانٍ لأشياء غير النوم. مرّةً، قبل أعوامٍ عديدة، صادَفَ أنّني ذكرتُ له كم من المال جنيته من كتابتي و ترجمتي خلال العام المنصرم (مبالغ زهيدة بكل المقاييس، لكنها أكثر مما حصلتُ عليه من قبل)، فكانت استجابته السعيدة هي أنه كان يصرف مالاً أكثر من ذلك، فقط لتناول الطعام خارج البيت. الأمرُ هو: لم تكن حياته مركّزة حول المكان الذي عاشَ فيه. كان منزله فقط محطة من محطاتٍ كثيرة في وجوده القَلِق، المحلول الوثاق. و هذا الافتقار لمكانٍ رئيس كان له الأثر في تحويله لمُتجوّلٍ دائم، سائحٍ في حياته نفسها. لا يُشعَرُ أبداً بإمكانيّة أن يستقر.
الحلقة 2
مع ذلك، بدا المنزل ذا أهمية بالنسبة لي، فقط في مدى الحالة التي تم إهماله فيها. إنه أعراض حالة ذهنية انعكست ــ وإلا لتعذر معرفتها ــ على الأشياء المحسوسة لسلوك غير واع. صار المنزل صورة مستعارة لحياة أبي، استعارة متقنة ومخلصة لعالمه الباطني. وبالرغم من إبقائه على المنزل مرتبا ومحفوظا أكثر أو أقل مما كان عليه، فقد خضع تدريجيا وبطريقة يتعذر اجتنابها لعملية تفسخ. كان دقيقا، يضع الأشياء في مكانها المخصص لها، لكن لا شيء تم الاعتناء به، لا شيء تم تنظيفه أبدا. الأثاث، خصوصا في الغرف التي نادرا ما يزورها، مطمور بالغبار، وشباك العناكب، علامات الإهمال التام؛ تتلبس قطع من طعام محروق فرن المطبخ للحد الذي صار إنقاذه منها مستحيلا؛ في الخزانة، قابعة أحيانا على الرفوف لسنوات: علب طحين موبوءة بالحشرات، بسكويت منتهي الصلاحية، أكياس سكر تحولت إلى كتل صلبة، قنان من شراب القطر لم يعد بالإمكان فتحها. متى ما قام بإعداد وجبة لنفسه، كان يغسل الصحون فورا وبدأب ــ لكنه يشطفها فقط، لا يستعمل الصابون قط؛ لذا فقد كان كل كوب، كل صحيفة، كل صحن مطليا بغشاء دهني داكن. عبر أرجاء المنزل: ظلال النوافذ، وقد أبقى عليها مغلقة طوال الوقت، صارت رثة لدرجة أن أخف سحبة لفتحها قد تقتلعها. انبثقت التسريبات ولطخت الأثاث، لم يبعث السخان دفئا كافيا أبدا، ودش الاستحمام لا يعمل. صار المنزل مهترئا، التجول فيه يبعث على الاكتئاب تشعر وكأنك تدلف لبيت رجل أعمى.
أصدقاؤه وأفراد من عائلته، الذين استشعروا جنون طريقته في العيش في ذاك المنزل، استمروا في حثه على بيعه والانتقال لأي مكان آخر. لكنه نجح دائما في صدهم بمراوغة «أنا سعيد هنا» أو «المنزل يناسبني جدا». لكن، في النهاية، قرر فعلا الانتقال. عند آخر المطاف. وفي آخر اتصال هاتفي قمنا به، قبل عشرة أيام من وفاته، أخبرني أن المنزل قد بيع وأن موعد إقفاله هو الأول من فبراير، على بعد ثلاثة أسابيع. أراد أن يعرف ما إذا كان في المنزل ما أستطيع الاستفادة منه، ووافقت على القدوم لزيارته مع زوجتي ودانيال في أول يوم مفتوح لعرض حاجياته للعامة. مات قبل حصولنا على فرصة للقيام بذلك.
تعلمت؛ لا شيء أكثر رهبة من مواجهة أغراض رجل مات. الأشياء تهمد: معناها فقط في دورها خلال حياة من يستخدمها. وعندما تقف تلك الحياة، تتغير الأغراض، حتى لو بقيت كما كانت. إنها هناك، وفي نفس الوقت ليست هناك: أشباح ملموسة، محكومة بالبقاء على قيد الحياة في عالم لا تنتمي له. ما الذي يمكن لواحد أن يتأمله ــ على سبيل المثال ــ في ثياب تكفي لملء خزانة، تنتظر بصمت أن يتم ارتداؤها مرة أخرى من قبل الرجل الذي لن يعود لفتح الباب؟ أو موس حلاقة كهربائي يجلس في الحمام، لا يزال مسدودا ببقايا شعر الذقن من الحلاقة الأخيرة؟ أو درزن من أنابيب أصباغ الشعر مخفية في حقيبة سفر جلدية؟ ــ فجأة تفصح عن ما لا رغبة لأحد في رؤيته، لا رغبة لمعرفته. هناك إحساس بالمرارة نحوها، ونوع من الخوف. في ذاتها، لا تعني الأشياء شيئا، كأدوات طبخ لحضارة تلاشت. لكنها تقول لنا شيئا، تقف هناك لا كأدوات، ولكن كبقايا لفكرة، لإدراك، رموز الخلوة التي يتخذ فيها رجل قرارات لنفسه: هل يلون شعره؟ هل يرتدي هذا القميص أم ذاك؟ هل يحيا، أم يموت؟. ثم لا جدواها كلها بمجرد حدوث الموت.
في كل مرة أفتح فيها درجا، أو أدس رأسي في خزانة، شعرت أنني دخيل، لص يفتش أماكن سرية في عقل رجل. لازمني شعور التوقع بأن أبي سيدخل علي، سيحدق نحوي غير مصدق، ويسألني ما الذي أظن نفسي فاعلا بحق الجحيم؟. لم يكن عدلا ألا يكون بمقدوره الاعتراض. لم أكن أملك الحق لانتهاك خصوصيته.
رقم هاتف خط بعجالة خلف بطاقة عمل كتب عليها: هـ. لايمبورغ: علب قمامة من جميع الأصناف. فوتوغرافات لشهر عسل والدي في شلالات نياغرا، 1946: أمي تجلس بعصبية على رأس ثور، من أجل أخذ إحدى تلك اللقطات المسلية التي لم تكن مسلية أبدا، وإحساس مفاجئ بكيف أن العالم كان مصطنعا على الدوام، حتى فيما قبل تاريخه. درج مليء بمطارق، مسامير، وأكثر من عشرين مفك براغي. خزانة لحفظ الملفات محشوة بشيكات ملغاة منذ 1953، وبطاقات تلقيتها في عيد ميلادي السادس. ثم، مدفونة في قاع درج في الحمام: فرشاة أسنان مزخرفة بحروف كانت تعود في يوم ما لأمي، والتي لم يمسسها أو يطل عليها أحد لأكثر من خمس عشرة سنة. القائمة لا تنضب.
بعد فترة وجيزة، بدا واضحا لي أن أبي لم يفعل شيئا لتهيئة رحيله من المنزل. الإشارات الوحيدة على مغادرته الوشيكة، والتي استطعت الكشف عنها في البيت بأكمله كانت كراتين كتب قليلة ــ كتب عادية (أطالس انتهى وقتها، مقدمة للإلكترونيات تبلغ من العمر خمسين عاما، كتاب قواعد اللغة اللاتينية للمرحلة الثانوية، كتب قانون غابرة) كان ينوي التبرع بها لمؤسسة خيرية. ما عدا ذلك، لا شيء. لا صناديق فارغة تنتظر أن تملأ. لا قطع أثاث تم التصدق بها أو بيعها. لا ترتيبات مسبقة مع شركة نقل. كان الأمر وكأنه ليس قادرا على مواجهته. وعوض عن إفراغ البيت، قام ــ ببساطة ــ بتهيئة نفسه للموت. كان الموت طريقا للخروج، الهروب الشرعي الوحيد.
غير أنه لم يكن لي أنا طريق للهرب. علي أن أنهي الأمر، ولا أحد هناك لينجزه غيري. تفقدت أغراضه لعشرة أيام، نظفت المنزل، أعددته لملاكه الجدد. كان وقتا تعيسا، لكنه وقت غريب وهزلي أيضا، وقت لقرارات طائشة وغير معقولة: قم ببيعه، تخلص منه، أبعده عنك. اشترينا أنا وزوجتي زحلوقة خشبية كبيرة لدانيال ذي الثمانية عشر شهرا، وضعناها في غرفة المعيشة. كان يفرح بالفوضى: يتفقد الأشياء، واضعا غطاء الأباجورة على رأسه، قاذفا رقاقات البوكر حول المنزل، راكضا خلال المساحات الشاسعة للغرف التي يتم تفريغها تدريجيا. في الليل، نستلقي أنا وزوجتي لنشاهد أفلاما رديئة على التلفزيون، حتى تم أخذه ــ أيضا ــ بعيدا. كانت هناك مشكلة في السخانة، وإذا نسيت القيام بتعبئتها بالماء، ستنطفئ. استيقظنا في صباح ما ووجدنا أن الحرارة قد هبطت أربعين درجة. يرن الهاتف عشرين مرة في اليوم، ولعشرين مرة يوميا أقول لأحدهم إن والدي مات. لقد صرت بائع أثاث، رجل نقل، مراسلا للأنباء السيئة.
الحلقة 3
بدأ المنزل بتشكيل سلسلة كوميدية من الأخلاق المصطنعة. هجم الأقارب علينا، سائلين الحصول على هذه القطعة من الأثاث أو تلك القطع من الأواني، محاولين الاستيلاء على بذلات أبي، مقلبين الصناديق، ويثرثرون بعيدا كالإوز. أقبل المزايدون لتفقد البضاعة (لا شيء قمتم بتنجيده، إنها لا تساوي قرشا!)، رفعوا أنوفهم، وخرجوا. اجتمع رجال القمامة بأحذية ثقيلة ونقلوا للخارج تلالا منها. عامل مصلحة المياه قرأ عداد الماء، عامل مصلحة الغاز قرأ عداد الغاز، عمال الوقود قرأوا مقياس الوقود. (أحدهم، نسيت أيهم، أعطاه أبي وقتا عصيبا لسنوات، قال لي بهمجية وتواطؤ، «لا أحب أن أقول ذلك»، ما يعني أنه قال ذلك من قبل ــ «لكن والدك كان بغيضا ورديئا». جاءت وكيلة العقار لتشتري بعض الأثاث للمالكين الجدد، وانتهى بها الأمر أن ابتاعت لها مرآة. والمرأة التي كانت تدير دكانا للتحف اشترت قبعات أمي القديمة. رجل الخردوات جاء ومعه فريق من المساعدين (أربعة رجال سود، أسماؤهم لوثر، أوليسيس، تومي برايد، وجو ساب) وحملوا عربة فيها كل شيء، من مجموعة من الحدائد وحتى مكنة التحميص المعطلة. وبحلول الوقت الذي انتهوا فيه من ذلك، لم يبق شيء. ولا حتى بطاقة بريدية. ولا حتى فكرة.
لو كانت هناك لحظة يمكن القول عنها إنها الأسوأ لي خلال تلك الأيام، فقد جاءت عندما مشيت عبر الحديقة الأمامية تحت المطر الهاطل لأرمي ملء كفي ربطات عنق تخص أبي في شاحنة المهام الخيرية. كانت هناك بالتأكيد أكثر من مئة ربطة عنق، أتذكر الكثير منها منذ طفولتي: أنماطها، أشكالها التي رسخت في وعيي المبكر، صافية صفاء وجه أبي. رؤية نفسي ملقيا بها بعيدا كالكثير من النفايات كانت شنيعة بالنسبة لي، وحينها، في الوهلة التي ألقيت بها في الشاحنة، اقتربت من الدموع. أكثر من رؤيته في نعشه نفسه وينزل داخل الأرض، فعل رمي هذه الربطات كان يمثل عندي فكرة الدفن. استوعبت أخيرا أنه مات.
بالأمس، واحدة من أطفال الجيران جاءت هنا لتلعب مع دانيال. فتاة عمرها ثلاث سنوات ونصف تقريبا، وقد علمت مؤخرا أن الناس الكبار كانوا مرة أطفالا، هم أيضا، وأن حتى أمها وأباها لديهم والدان. في لحظة ما التقطت سماعة الهاتف وشرعت في محادثة وهمية، ثم التفتت إلي وقالت، «بول، إنه والدك. يريد أن يتحدث معك». كان الأمر مروعا. ظننت أن شبحا في الجهة الأخرى من خط الهاتف، ويريد حقا التحدث إلي. استغرقت لحظات حتى أجيب. «لا،» أخيرا زال الغبش. «لا يمكن أن يكون ذاك أبي. لا يمكنه الاتصال بي اليوم. إنه في مكان آخر». انتظرت حتى أغلقت الهاتف ومشت خارج الغرفة.
في خزانة غرفة نومه وجدت مئات الفوتوغرافات ــ مخفية بعيدا في مظاريف بنية، ملصقة بالصفحات السوداء لألبومات مشوهة، متناثرة بحرية في الأدراج. من شكلها الذي كانت محفوظة عليه، اجتمعت عندي فكرة أنه لم يلق عليها نظرة أبدا، نسي تماما وجودها هناك. ألبوم كبير واحد، مغلف بجلد ثمين وطبع على غلافه ختم ذهبي ــ هذه هي حياتنا: الأوسترز. كان فارغا تماما من الداخل. أحدهم، ربما أمي، قام في وقت ما بعناء طلب هذا الألبوم، لكن لا أحد اهتم أبدا بملئه.
عدت للبيت، تأملت هذه الصور بافتتان مصاحب لنوع من الهوس. وجدت أنها لا يمكن مقاومتها، ثمينة، تساوي آثارا مقدسة. بدا وكأنها تستطيع أن تخبرني بأشياء لم أعرفها من قبل، تبوح بالذي كان من حقائق مخبأة، وقد تمعنت في كل واحدة منها بكثافة، تشربت أصغر التفاصيل، أكثر ظل لا يمكن تمييزه، حتى صارت كل الصور جزءا مني. لم أرد لشيء أن يضيع.
الموت يأخذ جسد الرجل بعيدا عنه. في الحياة، الرجل وجسده شيئان مترادفان؛ في الموت، هناك الرجل، وهناك جسده. نحن نقول، «هذا هو جسد فلان،» وكأن هذا الجسد، الذي كان مرة الرجل، لا غرضا يمثله أو يعود له، ولكنه فلان نفسه، صار بغتة ليس بذي أهمية. عندما يدخل عليك رجل الغرفة وتصافحه، لا تشعر بأنك تصافح يده، أو أنك تصافح جسده، ولكنك تصافحه هو. الموت يغير ذلك. هذا هو جسد فلان، لا هذا هو فلان. السياق يختلف تماما. نحن نتحدث الآن عن شيئين بدلا من شيء واحد، موحين بأن الرجل مستمر في الوجود، لكن فقط كفكرة، كمجموعة من صور وذكريات في أذهان أناس الآخرين. بالنسبة للجسد، فهو لا شيء سوى لحم وعظام، كومة من من مادة نقية.
اكتشاف هذه الفوتوغرافات كان أمرا مهما بالنسبة لي، إذ تبدو وكأنها تعيد تأكيد حضور أبي المادي في العالم، تهبني وهم أنه لا يزال فيه. حقيقة أن الكثير من هذه الصور لم أكن قد رأيتها من قبل، بشكل خاص تلك التي تعود لشبابه، بعثت في شعورا غريبا كأنني ألتقيه للمرة الأولى، لكأن جانبا منه للتو بدأ بالحياة. فقدت أبي. لكن وفي نفس الوقت، وجدته أيضا. طالما أبقيت هذه الصورة نصب عيني، طالما استمررت في تأملها بكامل انتباهي، كان كما لو أنه لا يزال حيا، حتى في موته. أو إذا لم يكن حيا، على الأقل ليس بميت. أو بالأحرى، عالقا بطريقة ما، محبوسا في كون لا صلة له بالموت، حيث لا يستطيع الموت أن يجد له منفذا.
لم تحدثني أغلب هذه الصور عن أي شيء جديد، لكنها ساعدت في ملء الفراغات، تأكيد انطباعات، تقديم أدلة لم توجد من قبل. سلسلة من اللقطات له كخريج بكالوريوس، مثلا، مأخوذة ربما عبر سنوات عديدة، تعطي حسابا دقيقا لعدد من جوانب شخصيته التي غمرها خلال سنوات زواجه، جانب منه لم أبدأ في ملاحظته إلا بعد طلاقه: أبي المخادع، المحب للتسلية، المبتهج. صورة بعد أخرى، يقف بجانب نساء، اثنتين أو ثلاث في العادة. في الخلفية: تلة، ملعب تنس، أحيانا بركة سباحة، أو كوخ خشبي. هذه هي الصور التي جلبها من عطلات نهاية الأسبوع إلى العديد من منتجعات منطقة كاتسكيل برفقة أصدقاء الكلية: يلعب التنس، يقضي وقتا ممتعا مع البنات. استمر على هذه الحال حتى بلغ الثالثة والأربعين.
كانت حياة ناسبته، وأستطيع أن أرى الآن لماذا عاد لها بعد انكسار زواجه. بالنسبة لرجل لا يجد الحياة محتملة إلا بأن يبقى على سطح نفسه، من الطبيعي أن يرضى بتقديم لا شيء سوى مظهره الخارجي للآخرين. هناك حاجات قليلة لقضائها، ولا التزام مطلوب. الزواج، في اليد الأخرى، يغلق الباب. وجودك محبوس في مساحة ضيقة، حيث يفرض عليك بشكل دائم أن تبوح بنفسك ــ ولهذا، أنت مطالب دوما بالنظر لداخلك، لتختبر أعماقك. عندما يكون الباب مفتوحا، لا توجد أية مشكلة هناك: تستطيع الهرب دائما. تستطيع اجتناب المصارحات غير المرغوبة، سواء مع نفسك أو مع آخر، ببساطة تمشي بعيدا.
قدرة أبي على المراوغة لا حد لها تقريبا. لأن ميدان الآخرين لم يكن حقيقيا بالنسبة له، توغله في ذاك الميدان يتم بجزء من نفسه كان يعتبره غير حقيقي بشكل مساوٍ، ذات أخرى قام بتدريبها كممثل ينوب عنه في الفراغ الكوميدي للعالم على اتساعه. هذا النائب الذاتي كان بشكل خاص مثيرا، طفلا مفرط النشاط، تلفيقا لحكايات طويلة. لا يمكن أن يأخذ شيئا على محمل الجد.
لأن لا أمر مهم، أباح لنفسه حرية فعل أي شيء يرغب به (التسلل لأندية التنس، التظاهر بأنه ناقد مطاعم ليحصل على وجبة مجانية)، والعذوبة التي مارسها لينجز انتصاراته تلك، كانت تحديدا ما جعل تلك الانتصارات لا معنى لها. مع امرأة مغرورة، سيكتم حقيقة عمره، يختلق قصصا عن صفقات عمل، يتحدث عن نفسه بشكل ملتو ــ بضمير الشخص الثالث، عن أحد معارفه (لدي صديق يعاني من هذه المشكلة، ما الذي تظنين أن عليه فعله حيالها…؟). ومتى ما ضاق الوضع عليه، متى ما دفع إلى حافة أن يضطر للكشف عن نفسه، سيتملص خارجا بالكذب. في النهاية، تجيء الكذبة بشكل تلقائي ويتم تضمينها لأجل ذاتها. كان المبدأ هو أن يقال أقل قدر ممكن. إذا لم يعرف الناس أبدا أي حقيقية عنه، فلن يتمكنوا إذا من الانقلاب عليه واستخدام ما عرفوه ضده لاحقا. الكذبة كانت أسلوبا لتأمين الحماية. الذي رآه الناس عندما ظهر أمامهم، بالتالي، لم يكن هو في الواقع، ولكنه شخص قام باختراعه، مخلوق مصطنع يقدر أن يتلاعب به من أجل التلاعب على الآخرين. هو في ذاته بقي خافيا، صانع عرائس يحرك خيوط أناه الأخرى من الظلام، من مكان منزوٍ خل ف الستارة.
خلال آخر عشرة أو اثني عشر عاما من حياته، كانت لديه صديقة ثابتة واحدة، وكانت هي المرأة التي خرجت برفقته للعلن، التي لعبت دور الرفيقة الرسمية. ومن حين لآخر دار حديث مبهم حول الارتباط (عند إصرارها)، وافترض الجميع أنها المرأة الوحيدة التي له علاقة بها. بعد وفاته، مع ذلك، نساء أخريات بدأن بالظهور. هذه أحبته، و تلك عشقته، وأخرى كانت على وشك الزواج به. صديقته الرئيسية أصيبت بصدمة عندما علمت بأمر الأخريات: لم يتنفس أبي أية كلمة عنهن لها. قام ببث كل واحدة منهن في قناة مختلفة، وظنت كل واحدة منهن أنها حازت عليه بشكل كامل. وكما اتضح، لا أحد منهن عرفت أقل شيء عنه. لقد تمكن من مراوغتهن جميعا.