الحلقة 15 - 16
لكونه الصبي الأصغر، كان والدي الأكثر وفاء بين الأشقاء الأربعة وكان أيضا الأقل احتراما من قبل الآخرين. تولى الأعمال الأصعب، كان الأكثر سخاء على أبناء وبنات أخته وإخوته، رغم ذلك لم تكن تلك الأمور ملحوظة بشكل كامل، وقد نالت القليل من التقدير، تتذكر أمي أنه في يوم زفافها، في الحفل الذي يتلو مراسم العرس، أحد أشقائه قام في الواقع بمراودتها عن نفسها، وحتى لو أنه تعذر لما حدث بالطيش، فذاك أمر آخر، لكن الواقع الصرف لمضايقتها بذاك الشكل يعطي فكرة مقربة لكيف كان يشعر هو تجاه والدين، أنت لا تقوم بفعلِ من ذاك النوع في يوم زفاف رجل، حتى لو كان شقيقك.
جدتي تتوسط العشيرة، ماما يوكوم اليهودية، أم تقف عندها كل الأمهات، ضارية، عنيدة، الزعيمة، كان معروفا أن الإخلاص لها هو ما جعل الإخوة مقربين، وحتى و هم رجال ناضجون، بزوجات و أبناء أنجبوهم، كانوا بوفاء يطرقون منزلها كل ليلة جمعة للعشاء -من دون أسرهم. كانت هذه هي العلاقة ذات الأهمية، و لها الغلبة على ما عداها. لا تزال هناك صورة هزلية بعض الشيء عنها: أربعة رجال ضخام، يرتفع الواحد منهم لأكثر من ستة أقدام، ينتظرون أوامر امرأة مسنة، أقصر منهم بقدم و أكثر.
في إحدى المرات القليلة التي قدموا فيها برفقة زوجاتهم، حدث أن أحد الجيران زار البيت وتفاجأ بوجود هذ التجمع العامر، هل هذه عائلتك، سيدة أوستر؟ سألها، بلى، أجابت، بابتسامة اعتزاز واسعة، هذا __. و هذا__. و هذا__. و هذا سام. تراجع الجار قليلا من الدهشة، وهذه السيدات الجميلات، سألها، من هن؟. أوه، أجابت بتلويحة عفوية من يدها، تلك زوجة__. وتلك زوجة__. وتلك زوجة__. وتلك زوجة سام.
لم تكن الصورة التي رسمت لها في صحيفة كينوشا دقيقة على الإطلاق، عاشت لأجل أطفالها. (المحامي بيكر: أين يمكن لامرأة برفقة خمسة أطفال كهؤلاء أن تذهب؟ إنها متشبثة بهم وتستطيع المحكمة رؤية أنهم متشبثون بها، وفي نفس الوقت، كانت مستبدة، تصاب بنوبات من الصراخ والهستيريا عندما تغضب، تهوي على رؤوس أبنائها بالمكنسة، كانت تطلب الطاعة، و قد حصلت عليها.
مرة، عندما وفر أبي مبلغا ضخما مجموعه عشرة أو عشرين دولارا من توزيعه للصحف كي يشتري لنفسه دراجة جديدة، دلفت أمه لغرفته، كسرت حصالته التي على شكل خنزير، وأخذت المال منه بلا أدنى اعتذار، احتاجت المال لدفع بعض الفواتير، ولم يكن لأبي أي ملاذ، لا وسيلة ليبعث بشكواه. حينما روى لي هذه القصة، لم يكن قصده أن يريني كيف أن أمه قد ظلمته، ولكن ليبين أن مصلحة العائلة كانت دائما أهم من المصلحة الذاتية لأي فرد منها ربما كان مستاءً، لكنه لم يتشك.
كان ذاك حكما نابعا من هواه. بالنسبة لطفل، ما حدث يعني أن السماء قد تهوي على رأسه في أية لحظة، أنه لن يستطيع أن يثق بأي شيء، لذلك تعلم ألا يثق بأحد أبدا ولا حتى نفسه. سيأتي أحد دوما ليثبت أن ما آمن به كان خاطئا، أنه لا يعول عليه في أي أمر. تعلم ألا يرغب في أي شيء بشدة.
عاش أبي مع جدتي حتى بلغ عمرا أكبر مني الآن، كان آخر واحد ينصرف معتمدا على نفسه، الواحد الذي ترك في الخلف ليعتني بها، سيكون خطأ القول، مع ذلك، أنه كان ابن أمه، كان مستقلا جدا، تم تلقينه جيدا بسبل الرجولة عن طريق إخوته، كان طيبا معها، بارا بها ومجيبا لرغباتها، ولكن لا يخلو ذلك من الإبقاء على مسافة معينة، حتى في الدعابة.
بعد زواجه، هاتفته كثيرا، تزن عليه في هذا الأمر وذاك، و يكون من أبي أن يدني سماعة الهاتف ويضعها على الطاولة، يتمشى لعدة دقائق، ثم يعود للهاتف، يرفع السماعة، و يقول شيئا لا معنى له لتفهم أنه لا يزال هناك (أها، أوه، أهااا، إمممممم، هذا صحيح)، ثم يتجول مرة أخرى، ذهابا وإيابا، إلى أن تخرج كل ما بنفسها من كلام.
الجانب الهزلي من انسداده. وأحيانا جرى ذلك بشكلٍ خدمه جيدا.
أتذكر مخلوقا ضئيلا ومتغضنا يجلس في الردهة الأمامية لمنزل عائلتين في ويكوايهك، نيوارك، يقرأ صحيفة «الأمام اليهودية اليومية». بالرغم من علمي بأن علي فعل ذلك متى ما رأيتها، فكرة أن أقبلها جعلتني أنكمش، كان وجهها متجعدا جدا، بشَرتها ناعمة بشكل لا بشري، والأسوأ من ذلك كان رائحتها رائحة استطعت تمييزها لاحقا على أنها الكافور، الذي كانت بالتأكيد تضعه في أدراج منضدتها، والذي بمرور السنوات تسرب إلى خيوط ملابسها، هذا الشذا لم يكن ينفصل في مخيلتي عن فكرة «الجدة».
إلى أبعد ما يمكنني تذكره، لم يكن لها أي اهتمام ظاهري بي. المرة الوحيدة التي أعطتني فيها هدية، كان كتابا مستعملا من قبل طفلين أو ثلاثة قبلي، سيرة ذاتية لبينجامين فرانكلين. أتذكر قراءتي له كاملا حتى أنني أستطيع أن أستدعي بعض الوقائع، زوجة فرانكلين المستقبلية، مثلا، ضحكت منه في المرة الأولى التي التقته فيها يتجول في شوارع فيلاديلفيا متابطا قطعة رغيف كبيرة، كان للكتاب غلاف أزرق رسم عليه مصورات ظلية. من المؤكد أنني كنت في السابعة أو الثامنة في ذلك الوقت.
بعد موت أبي، كشفت عن وجود صندوقٍ كان يعود مرة لأمه في قبو منزله، كان مقفولا، فقررت أن أفتحه بالقوة، بمطرقة و مفك براغ، ظانا أنه ينطوي على سر دفين، كنز ضائع لزمن طويل، وبسقوط المغلاق ورفعي للمزلاج، كانت هناك، مرة أخرى تلك الرائحة، مندفعة نحوي، مباشرة، محسوسة، لكأن جدتي نفسها كانت هناك. شعرت أنني للتو قد فتحت تابوتها.
لا شيء مهم وجدته فيه: مجموعة من سكاكين الحفر، كومة من المجوهرات الزائفة، أيضا، غلاف بلاستيكي صلب لكتاب الجيب، وصندوق ثماني الأضلاع بذراع مثبتة، أعطيت هذا الشيء لدانيال، ورأسا بدأ باستخدامه على شكل كراج متحرك لأسطول السيارات والشاحنات الصغيرة الذي عنده.
عمل والدي بشقاء طوال حياته، حصل على وظيفته الأولى في سن التاسعة، في الثامنة عشرة كان يدير عملا في تصليح أجهزة الراديو مع أحد أشقّائه، باستثناء فترة قصيرة عين فيها كمساعد في معمل توماس إيديسون (سحبت منه الوظيفة في اليوم التالي لمعرفة إيديسون أنه يهودي)، لم يشتغل والدي لأحد غير نفسه، كان رئيسا مرهقا جدا، أكثر تطلبا من أي أحد غريب.
انتهى محل أجهزة الراديو ليصير متجرا صغيرا للأجهزة، و الذي بدوره تحول إلى دكان واسع للمفروشات، من هناك بدأ بالاشتغال في العقارات (يبتاع مثلا، منزلا لأمه كي تسكن فيه)، حتى أخيرا استبدل الدكان بهذا العمل، مركزا اهتمامه به حتى صار مجالا تجاريا في حد ذاته، شراكته مع اثنين من إخوته استمرت من مجالٍ لآخر.
مبكرا في الاستيقاظ كل صباح، متأخرا عن المنزل في الليل، وبينهما، العمل، لا شيء سوى العمل. العمل كان اسم البلدة التي عاش فيها، وكان واحدا من وطنييها العظماء. ذلك لتفادي القول بأن العمل، مع ذلك، كان متعة له. عمل جاهدا لأنه أراد الحصول على أكبر قدر متاح من المال. العمل وسيلة تنتهي بشيء .. وسيلة للمال. لكن حتى تلك النهاية لم تكن تهبه المتعة. كما كتب الشاب ماركس: «إذا كان المال هو ما يربطني بالحياة الإنسانية، ويربط المجتمع بي، يربط بيني وبين الإنسان والطبيعة، أليس المال هو رابط الروابط إذن؟ هل يستطيع ألا يضمحل وأن يربط كل العلاقات؟ أليس هو، بالتالي، العميل الكوني للتفريق؟».
كان يحلم طوال حياته بأن يصبح مليونيرا، أن يصير أغنى رجل في العالم. لم يكن المال نفسه ما أراد، و لكن ما يمثله: ليس النجاح وحسب في أعين العالم، ولكن كطريقة ليجعل نفسه غير ملموس. امتلاك المال يعني أكثر من القدرة على شراء الأشياء: إنه يعني أن ما يحتاجه العالم لن يؤثر فيك. المال بمعنى الحماية، إذن، لا المتعة. كونه كان بلا مالٍ وهو طفل، ولذلك هشا أمام نزوات العالم، صارت فكرة الثراء تعادل عنده فكرة الهـرب: من الأذى، من المعاناة، من أن يكون ضحية. لم يكن يحاول شراء السعادة، ولكن ببساطة غياب التعاسة. كان المال هو الترياق، تجسيد لرغباته العميقة والمتعذرة عن الوصف كآدمي. لم يكن يريد أن يصرفه، أراد أن يمتلكه، أن يطمئن إلى أنه هناك. المال ليس بوصفه إكسيرا، إذن، ولكنه ترياق للسم: قنينة صغيرة من الدواء تحملها في جيبك عندما تخرج ذاهبا للغابة، فقط لاحتمال أن تلدغك أفعى سامة.
في بعض الأوقات، إحجامه عن صرف المال كان جسيما ويتبدى كأنه مرض. لم تصل الأمور إلى الحد الذي ينكر على نفسه ما يحتاج (حاجاته كانت قليلة) ولكن بحذق، في كل مرة كان عليه أن يشتري فيها شيئا ما، كان يختار الحل الأرخص. كان التسوق بالمساومة أسلوب حياة.
التستر بهكذا سلوك كان نوعا من الإدراك الحسي البدائي. كل الفروقات تمحى، ينخفض كل شيء إلى القاسم المشترك الأصغر. اللحم كان لحما، الأحذية كانت أحذية، القلم كان قلما. لم يكن مهما أن يكون بمقدورك الاختيار بين شريحة من لحم صدر البقر أو قطعة من الكتف، إن هناك أقلاما برؤوس دائرية للاستعمال الواحد فقط بـ 39 سِنتا وأقلام حِبر بخمسين دولارا بإمكانها أن تدوم لعشرين عاما. الأشياء الفاخرة بحق كان مصيرها المقت دوما: إنها تعني أن عليك أن تدفع سِعرا مفرطا، مما يجعل الأمر فاسدا أخلاقيا. وبمستوى أعم، ترجم هذا السلوك نفسه ليصير حالة دائمة من الشعور بالعوز: بإغلاق عينيه بقوة، درأ عن نفسه أية صِلة حميمية بأشكال العالم وتناسجه، قطع نفسه تماما عن أي احتمال لاختبار المتعة الجمالية. العالم الذي أطل عليه كان حيزا عمليا. كل شيء فيه له قيمة وسِعر، والفكرة هي أن تحصل على الأشياء التي تحتاجها بسِعر أقرب ما يكون للقيمة. يتم استيعاب كل شيء وِفقا لوظيفته فقط، يقدر بتكلفته و حسب، لا كشيء ذي جوهرٍ ويحمل خصائصه التي تميزه. بطريقةٍ أخرى، خيل لي أن العالم كان يبدو له بقعة باهتة. ألبسة متشابهة، بلا ألوان، وبلا عمق. إذا نظرت للعالم فقط عبر المال، فأنت في المحصلة لا ترى العالم إطلاقا.
هناك أوقات في صِغري كنت فيها محرجا تماما بسببه في العلن. يساوم الباعة، يغتاظ على الأسعار المرتفعة، يجادل كأن رجولته نفسها على المحك. أتذكر
جليا كيف كان كل شيء يذوي بداخلي، كيف أنني كنت أرغب في أن أكون في أي مكان من العالم ما عدا الذي كنت فيه. حدث معين كنت فيه ذاهبا برفقته لشراء قفازات بيسبول يبرز الآن. يوميا ولمدة أسبوعين كنت أذهب بعد المدرسة إلى المتجر لأستحسن أكثر القفاز الذي أردت. بعدها، عندما أخذني أبي إلى المتجر في مساء ما لشرائه، انفجر على البائع بشدة حتى خفت أن يقطعه إربا. مذعورا، يوجعه قلبه، أخبرته بأن لا يقلق، أنني لم أكن بحاجة للقفازات في النهاية. وبينما كنا نغادر المتجر، دعاني لتناول كوز من الآيسكريم. ذاك القفاز لم يكن جيدا على أيـة حال، قال. سأشتري لك قفازا أفضل منه لاحقا.
أفضل، بالطبع، يعني أسوأ.
يقرعنا طويلا لتركنا أضواء كثيرة مفتوحة في المنزل. كان دائما يشير إلى أنه يشتري مصابيح تعمل بكهرباء ضعيفة بسبب ذلك.
كان عذره لعدم أخذنا للسينما هو: «لماذا نخرج ونبذل ثروة على أفلامٍ ستعرض على التلفزيون خلال سنةٍ أو اثنتين؟».
الوجبات العائلية المتباعدة في مطعم: كان علينا دوما أن نطلب أرخص الأطباق في المنيو. صار ذلك أشبه بالشعيرة. بلى، سيقول، مومئا برأسه، هذا خيار جيد.
بعد سنوات، عندما كنت و زوجتي نعيش في نيويورك، كان أحيانا يأخذنا لتناول العشاء في الخارج. السيناريو نفسه وبدقة دوما: في اللحظة التي تتلو وضعنا لآخر شَوكة طعام في أفواهنا، كان يسألنا، «هل أنتم مستعدون للذهاب؟». من المستحيل حتى النظر في أمر التحلية.
انزعاجه المطلق من جلده. عدم قدرته على البقاء ساكنا، على الاستمرار في حديثٍ قصير، للاسترخاء.
وجودك برفقته يجعلك عصبيا. تشعر وكأنه على حافة المغادرة دوما.
أحب الخدع الذكيةَ الصغيرة، يزهو بنفسه لقدرته على أن يفوق العالم في لعبته دهاء. بخيلا في أكثر جوانب الحياة بساطة، كان ذلك سخيفا بقدر ما كان محبطا. مع سياراته، سيفصل دائما عداد المسافات، محرفا الأميال المقطوعة ليضمن لنفسه سعرا تجاريا أفضل. في منزله، سيقوم دائما بالتصليحات بنفسه بدلا من الاستعانة بخبراء. بسبب أن لديه موهبة نحو الآلات و عرف كيف تعمل الأشياء، سيقوم باختصارات شاذة، مستخدما أية مادة في متناول يده لتركيب حلول روبي غولدبرغ للمشكلات الميكانيكية والكهربائية عوضا عن صرف المال للقيام بذلك بشكلٍ صحيح.
الحلول الدائمة لم تعنِ له شيئا أبدا. استمر في الترقيـع بعد الترقيع، قطعة صغيرة هنا، قطعة صغيرة هناك، لن يسمح لقاربه بأن يغرق، ولكن لن يعطيه فرصة أبدا لأن يطفو..
مزاجه في اللباس: كأنه قبل الزمن بعشرين عاما. بذلات رخيصة الصنع من رفوف المتاجر المخفضة؛ زوج أحذية بلا علبة من سِلالِ بسطات المساومة في الأقبية. و بعيدا عن تقديم إثبات على بؤسه، هذا التغافل عن الأناقة عزز صورته كرجل ليس تماما في العالم. الملابس التي ارتداها كانت أشبه بتعبيرٍ عن العزلة، وسيلة ملموسة لتأكيد غيابه. وبالرغم من أنه كان ميسور الحال، بمستطاعه الحصول على أي شيء أراده، فقد بدا وكأنه رجل فقير، شخص بلدي يخطو للتو خارجا من المزرعة.
الحلقة 17 - 18
في السنوات الأخيرة من حياته، تغير هذا على نحو طفيف. ربما أن العودة لحياة العازب مرة أخرى قد سببت له صدمة: أدرك أن عليه أن يكون مقبول المظهر إذا أراد أن تكون له حياة اجتماعية من أي نوع. و ما كان أنه خرج و ابتاع ملابس ثمينة، و لكن الجو الذي كانت عليه خزانته قد تغير على الأقل: البني و الرمادي المملان قد نبذا لأجل ألوان أزهى؛ ترك الستايل الذي عفى عليه الزمن لأجل مظهر أكثر ابهاجا و أناقة. بنطلونات مخططة، أحذية بيضاء، كنزات صفراء، جزم ببكلات كبيرة. لكن على الرغم من هذه الجهود، لم يبدو و كأنه في بيته داخل هذه الثياب، لم تكن جزءا مكملا لشخصيته، مما يجعلك تفكر في طفل صغير قد ألبسه والداه ثيابه.
مع الأخذ بعلاقته غريبة الأطوار بالمال (شغفه بالثراء، و عجزه عن الصرف)، كان مناسبا بشكل أو بآخر أنه كان يعتاش بين فقراء. مقارنة بهم، كان رجلا فاحش الثراء. لذلك، بقضائه أيامه بين أناس امتلكوا تقريبا اللا شيء، يستطيع أن يبقي نصب عينيه رؤية أكثر ما يهابه في العالم: أن يكون دون مال. ذلك يضع الأشياء كما يجب بالنسبة له. لم يكن يعتبر نفسه بخيلا- و لكن متعقل، رجل يدرك قيمة الدولار. كان عليه أن يبقى متيقظا. ذاك هو الشيء الوحيد الذي وقف بينه وبين كابوس الإفلاس.
عندما كانت تجارته في ذروتها، امتلك هو وإخوته حوالي المئة بناية. كانت أرضهم هي المنطقة الصناعية الكالحة في شمال نيو جيرسي- مدينة جيرسي، نيوارك- و تقريبا جميع المستأجرين كانوا من السود. قد يقال عنه أنه أحد ملاك الأحياء الفقيرة، لكن لن يكون ذلك في هذه الحالة توصيفا دقيقا أو عادلا. و لم يكن على أية حال غائبا عن ما يملكه. لقد كان هناك، مستنزفا وقته وجهده بطريقة قد تدفع حتى أكثر موظف يقض الضمير للخروج عن طوره.
كان العمل دوما أشبه بألعاب الخفة. هناك بيع وشراء المباني، شراء و تصليح الأجهزة، إدارة جماعات متعددة من رجال الترميم، تأجير الشقق، الإشراف على المراقبين، الاستماع لشكوى المستأجرين، التعامل مع زيارات مفتشي المباني، التعاطي الدائم مع شركات الماء و الكهرباء، و بدون الحديث عن الزيارات المتكررة للمحكمة- كلا الدورين كمشتك و كمدعى عليه- لرفع قضية أجار متأخر، أو للرد على الانتهاكات. كل شيء كان يحدث مرة واحدة، انقضاضات دائمة من دزينة جهات في نفس الوقت، ووحده الرجل الذي يؤدي أعماله بنفسه يستطيع أن يتعامل مع ذلك. كان من المستحيل في أي يوم من الأيام إنجاز كل ما يجب إنجازه في ذلك اليوم. أنت لا تعود للمنزل لأنك انتهيت، بل لأن الوقت ببساطة قد تأخر و لم تعد تملك المزيد منه. تنتظرك المشاكل كلها في اليوم التالي- و أخرى جديدة أيضا. لم تتوقف أبدا. خلال خمسة عشر عاما، أخذ إجازتين و حسب.
كان رقيق القلب مع المستأجرين- يسمح لهم بتأجيل دفع الأجار، يهب الملابس لأطفالهم، يعينهم على إيجاد عمل-
ووثقوا به. الرجال المسنون، الذين يخافون من السطو، يعطونه أغلى ممتلكاتهم ليحفظها في خزينة مكتبه. من بين كل أشقائه، كان الوحيد الذي يقصدونه الناس بمشاكلهم. لم يدعوه أحد بالسيد أوستر. بل كان دائما السيد سام.
بينما كنت أنظف المنزل بعد وفاته، وجدت صدفة هذه الرسالة في قعر درج في المطبخ. من بين كل الأشياء التي وجدتها، أجد نفسي أكثر سعادة لاستعادتي هذه. إنها بطريقة ما توازن دفتر الحساب، وفرت لي برهانا حيا لكل حين يبدأ فيه عقلي بالانحراف بعيدا عن الوقائع. الرسالة معنونة لـ«السيد سام»، و خط اليد تقريبا غير مقروء.
19 أبريل، 1976
العزيز سام،
أعرف أنك متفاجئ لسماع أخباري. قبل كل شيء، من الأفضل أن أقدم لك نفسي. أنا السيدة ناش. شقيقة زوجة السيد آلبرت قروفر،- السيدة قروفر و آلبرت كانا يقطنان في 285 شارع باين في مدينة جيرسي منذ زمن بعيد، و السيدة بانكس شقيقتي أيضا.. لو كنت تذكر على أية حال.
أنت رتبت أمر حصولي و أطفالي على شقة في 327 جادة جونستن،على بعد زاوية فقط من من السيد و السيدة قروفر، شقيقتي.
مهما يكن، غادرت و أنا مدينة بأجار أربعين دولارا، كان ذلك عام 1964 لكنني لم أنس أنني مدينة جدا بهذا المبلغ. والآن، هو ذا مالك. شكرا لكونك لطيفا جدا معي و مع أبنائي في ذلك الوقت. هكذا أقدر بشدة ما فعلته لنا. أتمنى أن تستطيع استدعاء ذاك الزمن. حيث أنك لم تغب أبدا عني.
قبل ثلاثة أسابيع تقريبا هاتفت المكتب لكنك لم تكن فيه تلك الساعة. عسى أن يباركك الله دوما. نادرا ما آتي إلى مدينة جيرسي، و إن حدث ذلك سأتوقف حتما لزيارتك.
مهما يكن الآن، أنا فرحة لتسديدي هذا الدين. هذا كل شيء للآن.
بكل إخلاص،
السيدة ج ب. ناش.
في طفولتي، ذهبت معه من فينة لأخرى في جولاته و هو يجمع الأجار. كنت يافعا جدا لفهم ما كنت أراه، لكنني أذكر الانطباع الذي تركته في، و كأنني، تحديدا، بسبب عدم استيعابي، دخلت في الإدراكات الخام لهذه التجارب بشكل مباشر، حيث لبثت إلى اليوم، حادة كشوكة تحت ظفر الإبهام.
المباني الخشبية بمداخلها المعتمة، غير المضيافة. يحتشد خلف كل باب أطفال يلعبون في شقة ضئيلة جدا؛ أم، متجهمة دائما، منهكة، متعبة، متقوسة على طاولة الكي. الرائحة هي الأشد وضوحا، لكأن الفقر أمر يعدو غياب المال، هو إحساس متجسد، نتانة تغزو رأسك و تجعل التفكير مستحيلا. في كل مرة دخلت فيها مبنا برفقة والدي، أحبس أنفاسي، لا أجرؤ على التنفس، و كأن تلك الرائحة ستؤذيني. كان كل واحد سعيدا دوما لمقابلة ابن السيد سام. منحت ابتسامات و ربتات على رأسي لا تعد ولا تحصى.
مرة، عندما كنت أكبر قليلا، أتذكر مرافقتي له يقود في أحد شوارع مدينة جيرسي و رؤيتي لطفل يرتدي تي-شيرت كبرت على ارتدائه قبل بضعة أشهر. كان تي-شيرت مميزا، بمزيج غير مألوف لخطوط صفراء و زرقاء، و لم يكن هناك من شك في أنه هو نفسه الذي كان لي. و بلا تبرير، غمرني شعور بالخزي.
لا زلت أكبر قليلا، في الثالثة عشرة، الرابعة عشرة، الخامسة عشرة، أذهب معه أحيانا لأحصل على بعض المال بالعمل مع النجارين، الصباغين، و رجال التصليح. مرة، في يوم لا يطاق من شدة الحرارة في منتصف الصيف، وكلت إلي مساعدة أحد الرجال في مسح السطح بالقطران. كان اسمه جو ليفين، (رجل أسود، بدل اسمه إلى ليفين امتنانا لبقال يهودي مسن قام بمساعدته في شبابه)، و كان أكثر عامل يعتمد و يثق به أبي. جذبنا أكثر من خمسين غالونا من براميل القطران إلى السطح، و شرعنا في توزيع ما لدينا عليه بالمكانس. أشعة الشمس المنهمرة على السطح الأملس الأسود كانت غاشمة، و بعد نصف ساعة أو حواليها، دار رأسي، انزلقت على لطخة رطبة من القطران، سقطت، و بطريقة ما خبطت أحد براميل القطران المفتوحة، و انسكب ما به فوقي بشكل كامل.
عندما عدت إلى المكتب بعد دقائق معدودة، انبسط أبي إلى أقصى حد. أدركت أن الوضع مسل حقا لكنني كنت محرجا للغاية من التندر عليه. و مما يحسب لأبي، أنه لم يغضب مني أو يجعلني أضحوكة. لقد ضحك، لكن بطريقة جعلتني أضحك أنا أيضا. ثم ألقى جانبا ما كان يفعل، أخذني، قطعنا الشارع إلى متجر والورث، و ابتاع لي بعض الملابس الجديدة. صار من المحتمل على نحو مفاجئ أن أشعر بأنني قريب منه.
وبمضي السنين، بدأ عمله التجاري بالتراجع. العمل نفسه لم يكن يسوء، و لكنها طبيعة العمل: في ذاك الوقت تحديدا، في ذاك المكان تحديدا، لم يكن من الممكن النجاة. المدن كانت تتهاوى، وبدا أن لا أحد يهتم. ما كان مرة نشاطا مرضِيا، أقل أو أكثر، لأبي، صار الآن كدحا فقط. كره الذهاب للعمل في سنوات حياته الأخيرة.
التخريب أضحى مشكلة جادة لدرجة أن القيام بأي نوع من التصليحات صار تحطيما للمعنويات. فور أن تجري عمليات سمكرة في مبنى ما حتى يقتلع اللصوص المواسير. تكسر النوافذ بشكل دائم، أبواب محطمة، مداخل منزوعة الأحشاء، الحرائق تشتعل. في نفس الوقت، كان بيعها مستحيلا. لم يرِد أحد المباني. الحل الوحيد للتخلص منها هو هجرها وترك المدن تسود. ضاعت مبالغ ضخمة من المال بهذه الطريقة، حياة كاملة من العمل. في النهاية، وقت وفاة أبي، بقي هناك ستة أو سبعة مبانٍ وحسب. تفككت الإمبراطورية برمتها.
آخر مرة كنت فيها في مدينة جيرسي (قبل عشر سنوات على الأقل) كان للمكان منظر منطقة منكوبة، لكأن المغول قد سلبوها. شوارع رمادية ومقفرة؛ ترتفع القمامة في كل مكان، المنبوذون يتمشون ذهابا و إيابا بلا هدف. نهِب مكتب أبي مرات كثيرة لدرجة أنه لم يبق فيه الآن سوى بعض الطاولات من معدِنٍ رمادي، كراسي معدودة، وثلاثة أو أربعة هواتف. ولا حتى آلة طابعة واحدة، لا أثر لأي لون. ما عاد مكانا للعمل بعد الآن، ولكن غرفة في الجحيم. جلست اراقب البنك في الجهة الأخرى من الشارع. لا أحد خرج منه، ولا أحد دخل إليه. الكائنات الحية الوحيدة هناك كانت كلبين ضالين محدبين على العتبات.
كيف تدبر أمر نزع نفسه والذهاب هناك كل يوم هو شيء خارج عن فهمي. قوة العادة، أو غيره، عناد بحت. لم يكن الوضع كئيبا وحسب، كان خطيرا. سلِب مراتٍ عدة، وفي أحدها تم ركله على رأسه بشراسة من قبل المهاجم لدرجة أن سمعه تضـرر بشكل دائم. خلال آخر أربع أو خمس سنوات من حياته، كان هناك رنين خافت ودائم في رأسه، همهمة لم تبتعد أبدا، ولا حتى في نومه. قال الأطباء إنه لا شيء من الممكن فعله بشأنها.
في النهاية، لم يخرج أبدا إلى الشارع دون أن يحمل في يده اليمنى مِفك براغٍ. كان عمره أكثر من خمس وستين سنة، ولم يكن يريد أن يأخذ مزيدا من الفرص.
عِبارتان قفزتا فجأة إلى رأسي هذا الصباح بينما كنت أرِي دانيال كيف يصنع بيضا مخلوطا.
«والآن أريد أن أعرف، تقول المرأة، بقوةٍ مرعبة، أريد أن أعرف هل بالإمكان العثور على أبٍ آخر مثله في أي مكانٍ في العالم». (إسحاق بابل).
«للأطفالِ ميل دائم إما لانتقاص والديهم أو لرفع شأنهم. وبالنسبة للطفل الصالح، والده هو أحسن الآباء دوما، على مبعدةٍ تماما من أي سبب موضوعي هناك لتقديره». (بروست).
ميزت الآن أنني بالتأكيد كنت إبنا سيئا. أو، إذا لم أكن سيئا بالتحديد، فإذن على الأقل خيبة أمل، بؤرة ارتباكٍ وحزن. لم يكن هناك معنى بالنسبة له في أمر إنجابِه إبنا شاعرا. ولم يكن قادرا على فهم السبب الذي يجعل شابا معه شهادتان من جامعة كولومبيا يعمل بعد تخرجه كبحارٍ على ناقلة نفط في خليج المكسيك، وبعدها، بلا سببٍ أو قَصد، يقلِع إلى باريس و يقضي فيها أربع سنواتٍ معتاشا على الكفاف، مِن يدٍ لِفم.
كان ينعتني دوما بأن «رأسي في الغمام»، أو غيره، أن «لم تكن لدي قدمانِ على الأرض».. بأية طريقة، لم يبدو علي أنني كنت شيئا أساسيا بالنسبة له، وكأنني كنت بشكلٍ ما بخارا أو شخصا ليس من العالم تماما. في عينيه، تصير جزءا من العالم عندما تعمل. و بحكم التعريف، العمل هو جهد لجلب المال. إذا لم يجلب المال، فهو ليس بعمل. الكتابة، بالتالي، ليست عملا، وخاصة كتابة الشعر. هي هواية في أفضل حالاتها، أسلوب جذاب لتمضية الوقت الفاصل بين الأمور المهمة حقّا. ظن أبي أنني أهدِر مواهبي، أرفض أن أنضج.
غير أنه لازال هناك ما يربطنا. لم نكن قريبين، لكنه بقي في المتناول. مكالمة هاتفية كل شهر أو حوله، وربما ثـلاث أو أربـع زيارات في السنة. كلما نشرت كتاب شعر، أقوم بـرا به بإرساله له، وكان دائما يهاتفني شاكرا بعدها. ووقت أن أكتب مقالة لمجلة، أضع جانبا نسخة وأحرص على أن أعطيها له في لقائنا القادم. مراجعة نيويورك للكتب لا تعني شيئا له، ولكن مقاطع التعليقات أدهشته. أعتقد أنه شعر بأنني لو كنت سمحت لليهود بنشره، فلربما حينها يجد فيه ما يستحق.
مرة، عندما كنت لاأزال أحيا في باريس، كتب لي ليخبرني بأنه ذهب للمكتبة العامة ليقرأ بضع قصائد لي حدث أن ظهرت في إصدارٍ قريبٍ لمجلة الشعر. تخيلته في غرفةٍ واسعةٍ وخالية من الناس، في الصباح الباكر قبل الذهاب للعمل: جالسا عند واحدةٍ من الطاولات الممتدة تلك ومعطفه الثقيل لايزال عليه، ينحني لقراءة كلماتٍ لابد أنها لم تكن قابلة للاستيعاب بالنسبة له.
حاولت أن أبقي على هذه الصورة في بالي، برفقة كل الصور الأخرى التي لن ترحل.
اللاتحديد، قوة التضليل الكبيرة في التناقض. أفهم الآن أن كل حقيقةٍ تلغيها الحقيقة التي تليها، أن كل فكرة تحدِث فكرة أخرى تساويها وتعاكسها. من المستحيل قَول شيءٍ دون استدراكه: كان جيدا، أو كان سيئا؛ كان هو هذا، أو كان ذاك. كلها صحيحة. أشعر بعض الأحيان أنني أكتب عن ثـلاثة أو أربعة رجال، كل واحدٍ منهم مميز، كل واحدٍ يناقض الآخرين جميعا. شظايا. أو الفكاهة كشكلٍ للمعرفة.
ومضات الكرم المتفرقة. في تلك الأوقات النادرة التي لم يكن فيها العالم تهديدا بالنسبة له، وازعه للحياة بدا وكأنه العطف. «عسى الرب الطيب أن يبارككم إلى الأبد».
يهاتفه الأصدقاء متى ما كانوا في مشكلة. سيارة عالقة في مكانٍ ما عند منتصف الليل، وسيجر أبي نفسه من السرير وسيحضر للإنقاذ. بطرقٍ معينة، كان من السهل على الآخرين أن يستغلوه. رفض أن يتشكى من أي شيء..
صبر جاوز الطاقة البشرية. هو، على الإطلاق، الشخص الوحيد الذي عرفته يستطيع تعليم أحدٍ قيادة السيارة دون أن يغضب أو ينهار في نوبةٍ عصبية. قد تكون تميل متجها صوب عمود إنارة، ولن يثيره ذلك أبدا.
مستغلق. وبسبب ذلك، يبدو في بعض الأوقات هادئا جدا.
الحلقة الأخيرة 19+20
بدأ الأمر عندما كان لا يزال شابا، كان دائما مهتما بشكل خاص بابن أخته- الولد الوحيد لأخته الوحيدة. عاشت عمتي حياة لم تكن سعيدة، تخللتها سلسلة من زواجات صعبة، فتحمل ابنها العبء عنها: حمل نفسه إلى المدارس العسكرية. و بدافع، أعتقد، اللطف والإحساس بالمسؤولية لا غير، أخذ أبي الصبي تحت جناحه. رعاه باستمرار وكان دائما ما يشجعه، علمه كيف يمضي قدما في العالم. لاحقا، ساعده في العمل، و كلما قفزت مشكلة، كان موجودا هناك ليستمع و يزجي النصائح. وحتى بعد أن تزوج ابن عمتي وأنجب أطفالا وصارت له عائلة تخصه، لم يتوقف أبي عن الاهتمام المستمر به، استضافهم في منزله لفترة تطول عن السنة، و بالتزام أشبه مايكون بالديني يوزع الهدايا على أبناء و بنات أشقائه الأربعة في أعياد ميلادهم، و يزورهم باستمرار لتناول العشاء.
ابن عمتي هذا كان أكثر من اهتز لوفاة أبي من بين أقربائي الآخرين. في اجتماع العائلة بعد الجنازة، جاءني ثلاثة أو أربعة مرات و قال، «مررت عليه بالصدفة في اليوم الماضي. كان من المفترض أن نتناول العشاء سويا ليلة الجمعة».
الكلمات التي استخدمها كانت نفسها تماما في كل مرة. و كأنه لم يعد يعرف ما الذي كان يقوله.
شعرت و كأننا بطريقة ما عكسنا الأدوار، أن يكون هو الابن المحزون و أنا ابن الأخت العطوف. أردت أن ألف ذراعي حول عاتقه و أقول له كم كان والده رجلا صالحا. في النهاية، كان هو الابن الحقيقي، كان الابن الذي ما كان بإمكاني أبدا أن أصيره.
خلال الأسبوعين الماضيين، يتردد صدى هذه الأسطر لموريس بلانكوت في رأسي، «أمر واحد يجب أن يكون معلوما: أنا لم أكتب شيئا استثنائيا أو حتى مفاجئا. الاستثنائي يبدأ في اللحظة التي أتوقف فيها. لكن لم يعد بمستطاعي التكلم بها.»
أن أبدأ بالموت. أن أشق طريقي عائدا إلى الحياة، ومن ثم، أخيرا، أعود للموت.
أو بكلمات أخرى: هباء محاولة أن تقول أي شيء عن أي أحد.
في عام 1972 جاء ليزورني في باريس. كانت المرة الوحيدة التي سافر فيها إلى أوروبا.
كنت أعيش تلك السنة في غرفة صغيرة للخادمات في الطابق السادس، تتسع فقط لسرير و طاولة و كرسي و مجلى للغسيل.
لم يكن يخطط أبي للبقاء لأي فترة من الزمن، من الصعوبة أن تقول إنها إجازة: أربعة أيام في لندن، ثلاثة في باريس، و من ثم الوطن. و لكنني كنت ممتنا لفكرة لقائه و أعددت نفسي لأريه وقتا طيبا.
أمران حدثا، مع ذلك، و جعلا ما أريد مستحيلا. أصبحت مريضا جدا بالانفلونزا؛ و كان علي السفر إلى المكسيك في اليوم التالي لوصوله كي أعمل كاتبا خفيا في مشروع.
انتظرته الصباح كله في ردهة فندق السواح الذي حجز فيه، أتعرق بحمى مرتفعة، أكاد أهذي من الضعف. عندما لم يظهر في الوقت المتفق عليه، جلست هناك لساعة أخرى أو ساعتين، لكنني استسلمت في النهاية و عدت لغرفتي حيث هويت على الفراش.
في آخر النهار، جاء و طرق بابي، أيقظني من نوم عميق. اللقاء كان بالضبط من وحي دوستويفسكي: أب برجوازي يأتي ليزور ابنه في بلد غريب فيجد شاعرا مكافحا تنبعث منه الحمى. انصدم مما رأى، ثار غضبه إذ كيف يمكن لأحد أن يسكن غرفة كهذه، و دفعه ذلك إلى الحركة: جعلني أرتدي معطفي، سحبني إلى عيادة مجاورة، ثم اشترى الحبوب الموصوفة لي. لاحقا، رفض أن يتركني أمضي الليلة في غرفتي. لم أكن في وضع يسمح لي بالمجادلة، لذا، وافقت على البقاء في فندقه.
لم أتحسن في اليوم التالي. و لكن كانت هناك أمور من الواجب الانتهاء منها، و حملت نفسي و أنجزتها. في الصباح أخذت أبي معي إلى الشقة الواسعة على جادة هنري مارتن تعود لمنتج الفيلم الذي بعثني إلى المكسيك. خلال العام المنصرم، كنت أعمل بتقطع لهذا الرجل، أقوم بفعل ما يتطلبه النجاح في الوصول لوظائف القمة- ترجمات، ملخصات النصوص- أمور كانت علاقتها هامشية بالأفلام، والتي على أية حال لم تأخذ اهتمامي. كل مشروع كان أحمق من الآخر، لكن الدفع كان مجزيا، و انا احتجت المال. و الآن يريدني أنا أساعد زوجته المكسيكية على كتاب كانت قد تعاقدت على كتابته لناشر إنجليزي: كيزالكواتل و مغامرات الثعبان ذو الريش. يبدو أنه بهذا العمل قد جاوز الحد قليلا، و كنت قد خيبته بالفعل مرات عدة. و لكن في كل مرة أقول لا، يقوم بزيادة المبلغ المدفوع، و إلى الآن تدفع لي أموال تجعلني لا أملك أن أعطيها ظهري. سأسافر فقط لشهر، و قد دفعت لي الأموال نقدا- مقدما.
هذه هي الصفقة التي شهدها أبي. للمرة الأولى، استطعت أن أرى أنه كان مندهشا. ليس فقط لأني قدته إلى هذا العرض الفاخر و قدمته إلى رجل يتجار في عمله بالملايين، و لكن الرجل الآن يمد لي حزمة من مئات الدولارات بهدوء فوق الطاولة و يتمنى لي رحلة طيبة. كان المال، بالطبع، ما صنع الفرق، حقيقة أن أبي قد رآها بعينيه. أحسست بذلك كانتصار، وكأنني محمي بطريقة ما. للمرة الأولى يكون مجبرا على إدراك أنني أسطيع الاهتمام بنفسي وفقا لشروطي.
السجادة الخضراء الداكنة في المنزل. والمخرج المتملق، مهني، يعاني من الأكزيما، وكاحلين متورمين، يمر على قائمة التكاليف، و كأنني كنت أشتري مجموعة من أثاث غرف النوم بالدين. سلمني ظرفا يحوي الخاتم الذي كان يرتديه أبي عندما مات. بتراخ أضع الخاتم في إصبعي و أزيله بينما كانت المحادثة تأخذ بالرتابة، لاحظت أن الجزء السفلي من حجر الخاتم كان ملطخا ببقايا مزلق صابوني. مرت عدة لحظات قبل أن أجد العلاقة، ثم صار الأمر واضحا على نحو عبثي: أستخدم هذا الغسول لإزلة الخاتم من إصبعه. حاولت أن أتصور الشخص الذي كانت مثل هذه الأمور هي عمله. لم أكن خائفا بقدر ما كنت مفتونا. أتذكر أنني قلت لنفسي: لقد دخلت عالم الحقائق، مملكة التفاصيل الغاشمة. كان الخاتم ذهبيا، بقاعدة سوداء.
استمر مخرج الجنازة في حديثه حول كيف أنه عرف والدي «في الأيام الخوالي،» معطيا طابعا حميميا و نوعا من الصداقة كنت متأكدا أنها لم توجد أبدا. و بينما كنت أعطيه معلومات كي يمررها للصحافة من أجل النعي، استبق ملاحظاتي بمعلومات خاطئة، مسرعا عني للأمام كي يثبت كيف كان مقربا جدا من والدي. في كل مرة يحدث هذا، أتوقف و أصحح له. في اليوم التالي، عندما ظهر النعي في الصحف، الكثير من تلك الأخطاء كانت مطبوعة.
قبل ثلاثة أيام من وفاته، ابتاع أبي سيارة جديدة. قادها مرة واحدة، ربما مرتاين، وعندما عدت لمنزله بعد الجنازة، وجدتها تجلس في الكراج، و بالفعل ميتة، كمخلوق ضخم مجهض. لاحقا في نفس ذاك اليوم، ذهبت للكراج للحظة أختلي فيها بنفسي. جلست خلف مقود السيارة هذه، أستنشق الصناعة الغريبة فيها. القراءة في مقياس المسافات كان ستة و سبعين ميلا. و حدث أن أبي كان في عمر السادسة و السبعين. ذلك الإيجاز أمرضني. و كأن تلك القراءة كانت للمسافة بين الحياة و الموت. رحلة قصيرة، بالكاد أطول من القيادة للمدينة المجاورة.
ندم أمضى: لم أحصل على فرصة لرؤيته بعد موته. دون اهتمام، افترضت أن التابوت سيكون مفتوحا خلال مراسم الجنازة، و حينها، عندما لم يكن مفتوحا، كان الوقت متأخرا لفعل أي شيء إزاء ذلك.
عدم رؤيتي له ميتا حرمني من عذاب لكنت قد رحبت به. ما كان الأمر و كأن موته ليس حقيقيا تماما، و لكن الآن، كلما أردت رؤية ذلك، كلما أردت لمس حقيقة ما حدث، لابد لي من الانشغال بالتخيل. لا شيء هناك لأتذكره. لا شيء سوى شكل من الفراغ.
عندما كشف عن القبر لإنزال التابوت، تبينت جذرا برتقاليا غليظا مندفعا في الحفرة. كان له بشكل غريب تأثير مهدئ علي. للحظة لم تكن الحقيقة الصرفة للموت قادرة على الاختباء خلف الكلمات و طقوس المراسم لوقت أطول. هنا كانت: دون وساطة، بلا زينة، من المستحيل أن أشيح بعيني بعيدا عنها. كان أبي ينزل في الأرض، و مع الوقت، بينما يتفكك التابوت، سيساعد جسده في تغذية ذاك الجذر الذي رأيته. أكثر من أي شيء قيل أو فعل ذاك اليوم، هذا ما كان له معنى بالنسبة لي.
القس الذي رتب مراسم العزاء كان الرجل نفسه الذي ترأس حفل بلوغي قبل تسعة عشر عاما. في المرة الأخيرة التي رأيته فيها كان رجلا صغيرا حليق الوجه. أسن الآن، بلحية رمادية كاملة. لم يكن يعرف أبي، في الحقيقة لم يعرف شيئا عنه، و قبل نصف ساعة من بداية المراسم جلست معه و أخبرته بما عليه قوله في التأبين. أخذ ملاحظات في قصاصات صغيرة من الورق. عندما حل الوقت ليلقي كلمته، تحدث بمشاعر طاغية. الموضوع كان رجلا لم يعرفه قط، و رغم ذلك أعطى انطباعا أنه يتكلم من قلبه. أستطيع سماع بكاء امرأة خلفي. كان يحذو ما أخبرته كلمة بكلمة.
يخطر على بالي أنني بدأت بكتابة هذه القصة قبل وقت طويل، في زمن يسبق وفاة أبي.
ليلة بعد ليلة، أستلقي مستيقظا على الفراش، عيناي مفتوحتان في العتمة. استحالة النوم، استحالة عدم التفكير في أمر موته. أجد نفسي أتعرق بين الشراشف، محاولا تصور ماهو شعور أن تصاب بنوبة قلبية. الأدرينالين يضخ في، مثقل رأسي، و يبدو أن جسدي كله يتقلص في المساحة الصغيرة خلف صدري. هناك حاجة للخوض في رعب مماثل، نفس الألم المميت.
السيد المهذب في الجنازة كان عمي الكبير، سامويل أوستر، و هو الآن في التسعين من عمره تقريبا. طويل، بلا شعر، عالي النبرة بصوت خشن. ولا كلمة عن أحداث 1919، و لم أكن أملك قلبا لأسأله. اعتنيت بسام عندما كان طفلا صغيرا، قال. لكن هذا كل شيء.
عندما سئل ما إذا كان يريد شيئا ليشربه، طلب كأسا من الماء الدافئ. ليمون؟ لا شكرا، ماء دافئ فقط.
بلانكوت مرة أخرى: « لكن لم يعد بمستطاعي التكلم بها».
من البيت: مستندات من مقاطعة كلير في ولاية ألباما تعلن بشكل نهائي طلاق والدي. التوقيع في الأسفل: آن مع الحب.
من البيت: ساعة يد، القليل من قمصانه، سترة، ساعة تنبيه، ستة مضارب تنس، و سيارة بيوك صدئة بالكاد تسير. مجموعة من الأطباق، طاولة قهوة، ثلاثة أو أربعة مصابيح. تمثال لجوني وولكر في غرفة البار، صار لداني. ألبوم الفوتوغرافات الفارغ، هذه هي حياتنا: الأوسترز.
ظننت في البداية أنه سيكون أمرا مريحا التعلق بهذه الأشياء، كأنها ستبقي على تذكيري بأبي مما يجعله حاضرا في ذهني و أنا أخوض حياتي. لكن الأشياء، على ما يبدو، ليست شيئا سوى أشياء. اعتدت عليها الآن، بدأت بالظن أنها تعود إلي. أقرأ الوقت بساعته، أرتدي قمصانه، أجول بسيارته. و لكن ذاك كله وهم من صنع الحنين لا أكثر. لقد استوليت بالفعل على تلك الأشياء. غاب أبي عنها، صار غير مرئي مجددا. و قريبا أو بعيدا ستنهار، ستفكك قطعا، و يجب رميها بعيدا. لا ريبة في أن ذلك لن يعني شيئا.
«… هنا يبدو حقا أنه وحده الذي يعمل من يحصل على الرغيف، وحده الذي في الألم من يجد الراحة، وحده الذي يتحدر للعالم السفلي من ينقذ محبوبه.
الثانية بعد منتصف الليل. منفضة طافحة بالرماد، كوب قهوة فارغ، و برد أول الربيع. خيال دانيال الآن، و هو مضطجع في الأعلى في مهده نائما. لأنتهي من هذا.
لأفكر ماذا سيصنع بهذه الأوراق عندما يكبر بما يكفي ليقرأها.
و خيال جسده الصغير اللطيف الشرس، و هو مضطجع في الأعلى في مهده نائما. لأنتهي من هذا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق