الأحد، 24 سبتمبر 2017

الحلقات من 8 إلى 14



الحلقة 8 - 9  - 10 



متجولا في البيت اليوم، بلا غاية، مكتئبا، شاعرا بأنني بدأت أفقد اتصالي بما أكتبه، مررت صدفة على هذه الكلمات في رسالة كتبها فان جوخ: «كأي أحد آخر، أشعر بالحاجة للعائلة والصداقة، العاطفة والوصال الحميم. لم أخلق من صخر أو حديد كصنبور أو عامود إنارة.»

ربما هذا هو ما يهم حقا: الوصول لصلب الشعور الإنساني، على الرغم من البراهين.

هذه هي أدق الصور: لا يمكن تقويمه، عالق في طين الذاكرة، لا مدفون ولا يمكن استرجاعه كاملا. ومع ذلك، كل صورة في حد ذاتها قيامة عابرة، لحظة إما أن تكون موجودة و إلا تلاشت. طريقته في المشي، على سبيل المثال، متوازنة بشكل عجيب، يرتد على كعبي قدميه كأنه سيرتمي للأمام، بعماء، نحو المجهول. أو الطريقة التي يتقوس فيها على الطاولة وهو يأكل، مشدودة أكتافه، يقضي على الطعام كاملا، لا يستطعمه أبدا. وأخرى، الروائح المنبعثة من السيارات التي يستخدمها للعمل: غاز، زيوت مسربة، دخان العادم؛ ضجة عدة حديدية باردة، خشخشة السيارة الدائمة وهي تسير. تذكرت اليوم أنني كنت برفقته في السيارة وسط بلدة نيوارك، لم يكن عمري أكثر من ست سنوات، وداس المكابح بعنف، الهزة الشديدة رمت برأسي على لوحة قيادة السيارة، حشد من السود اجتمعوا حول السيارة فجأة ليروا ما إذا كان كل شيء بخير، خاصة المرأة التي دفعت إلي بـ كوز آيسكريم فانيلا من نافذتي المفتوحة، فأجبتها «لا شكرا» بأدب شديد، مذهولا بقدرتي على الإجابة حتى. وفي يوم آخر في سيارة أخرى، بعدها بسنوات، بصق أبي نحو النافذة ليميز بعدها أنني لم أقم بإنزالها، وبهجتي اللامنطقية وغير المحدودة لرؤيتي لعابه يسيل على الزجاج. وأيضا، كولد صغير، كيف كان يأخذني معه أحيانا إلى مطاعم يهودية في أحياء لم أعرفها من قبل، أماكن مظلمة مزدحمة بكبار السن، كل طاولة مزينة بقنينة سيلتزر ملونة بالأزرق، وكيف ازداد غثيانا، تاركا طعامي غير ملموس، وأكتفي بمشاهدته يلتهم حساء الشمندر، معجنات البايروجين، ولحوما مسلوقة مغطاة بالفجل. أنا، الذي تربى كطفل أمريكي، الذي يعرف عن أسلافه أقل مما يعرف عن قبعة رجل الكوبوي هوبالونغ كاسيدي. أو كيف، عندما كنت في الثانية أو الثالثة عشرة، أردت بشكل يائس الذهاب مع بعض أصدقائي لمكان ما، هاتفته في عمله لأحصل على إذنه، قال لي، في حيرة، وبلا معرفة لطريقة صياغة ما يريد قوله، «أنتم مجموعة من الأغرار»، وكيف، عبر سنوات بعدها، أنا وأصدقائي (أحدهم مات بجرعة زائدة من الهروين) نكرر هذه الكلمات كقطعة فولكلور، نكتة من الحنين لأيامها.

حجم كفيه، صلابتهما.

يأكل الطبقة المتخثرة فوق الشوكولاتة الساخنة.

شاي بالليمون.

نظارته السوداء نصف المؤطرة، مرمية في جميع أرجاء المنزل: على منضدة المطبخ، أو مفارش الطاولات، على حافة حوض الغسيل في الحمام – مفرودة دائما، تستلقي هناك كنوع غريب وغير مصنف من الحيوانات.

مراقبته يلعب التنس.

الطريقة التي تلتوي فيها ركبتاه أحيانا و هو يسير.

وجهه.

شبهه لأبراهام لنكولن، وملاحظة الناس الدائمة لذلك.

جسارته مع الكلاب.

وجهه. مرة أخرى، وجهه.

أسماك استوائية.

في أحوال كثيرة، يتراءى أنه يفقد تركيزه، ينسى من كان، لكأنه أضاع شعور الاتصال مع نفسه. مما يجعله عرضة للحوادث: يهشم ظفر إبهامه عند استعماله للمطرقة، عدد مهول من الحوادث الصغيرة بالسيارة.

ذهنه الغائب وهو يقود السيارة: إلى الحد الذي يصير عندها مرعبا. ظننت دائما أن ما سيقتله هو حادث سيارة.

عدا ذلك، صحته كانت وافرة لكأنه غير قابل للأذى، مستثنى من كل الأمراض الجسدية التي صعقت البقية منا. كأنما لا شيء يمكن أن يلمسه.

طريقته في الحديث: يبذل جهدا هائلا ليجذب نفسه خارج عزلته، كأنما صوته غطاه الصدأ، فقد عادة الكلام. يهمهم ويتوقف كثيرا، يتنحنح، كأنه يريد أن يبصق وسط الجملة. تشعر، بشكل واضح، أنه لم يكن مرتاحا.

وبنفس الأسلوب، كان يسليني دائما كطفل أن أشاهده يكتب اسمه. لم يكن بمقدوره ببساطة أن يضع القلم على الورقة ويكتب. وكأنه بغير وعي منه يؤجل لحظة الحقيقة، دائما ما يمهد لذلك بحركة مسرحية خفيفة، يدير يده لبوصة أو بوصتين خارج الورقة، كذبابة تأز في الهواء و تحصر تركيزها كاشفة بقعتها، قبل أن يستطيع الشروع في العمل. كان أسلوبا معدلا لطريقة آرت كارني في توقيع اسمه في فيلم العرسان الجدد.

وحتى أنه كان ينطق الكلمات بطريقة مختلفة. «عالي» مثلا، بدلا من «علي»، كأن الحركة المسرحية في يده لها نظيرها في صوته، يمتلك ميزة موسيقية مرحة. وكلما رد على الهاتف، ستحييك «مرحباااا» غنائية. لم يكن تأثير ذلك محبوبا. كانت تظهره كمعتوه قليلا، كأنه ليس متناغما مع باقي العالم – لكن ليس كثيرا. لدرجة فقط أو درجتين.

عرات لا يمكن محوها.

في هذه الأطوار المجنونة المتشنجة التي يدخل فيها أحيانا، يخرج دوما بآراء شاذة، لا تؤخذ حقا بجدية، لكنه يستمتع بتأييد الشر ليبقي الأمور حية. إغاظة الناس تضعه في بهجة الأراوح، وبعد تعليق تافه على أحدهم، يقوم غالبا بقرص ساقه – في موضع الدغدغة. يحب حرفيا أن يعرقل ساقك.

البيت مرة أخرى.

مهما اتضحت درجة إهماله العناية به من الخارج، فقد آمن بطريقته هو. كمخترع غاضب يحمي سر آلة الحركة الأبدية، لن يطيق أن يتلاعب بها أحد. مرة، عندما كنا أنا وزوجتي نتنقل بين الشقق السكنية، قطنا في منزله لثلاثة أو أربعة أسابيع. وجدنا أن الظلمة في المنزل فادحة، أزحنا كل الظلال وسمحنا للنور أن يدرج للداخل. عندما عاد أبي من العمل ورأى ما فعلناه، طفى في غيظ مفلوت الزمام، قصي كليا عن أي استياء كان قد مر به.

لم ينفجر بغضب من هذا الطراز إلا نادرا، ليس إلا أن يكون محصورا، معتدى عليه، مسحونا بحضور الآخرين. قد تطلق غضبه أحيانا الأسئلة عن المصاريف. أو تفصيل صغير: ظلال بيته، صحن مكسور، أقل لا-شيء على الإطلاق.

غير أن غضبه هذا كان بين ثناياه – هكذا آمنت باستمرار. كالبيت الذي كان مرتبا بشكل جيد والآن يتهافت من الداخل، الرجل نفسه كان رزينا، خارقا ورابط الجأش، لكنه فريسة الكدر، بداخله عنفوان من السخط لا يمكن إيقافه. كافح طوال حياته ليتحاشى مجابهة هذا العنفوان، مربيا سلوكا تلقائيا يسمح له بتجنبه. يركن على روتين ثابت يحرره من لزوم أن يبصر ما بداخله وقت وجوب اتخاذ القرارات؛ الكليشيه يطفر بسرعة إلى شفتيه «طفل جميل، بالتوفيق»، عوضا عن كلمات يذهب خارجا للبحث عنها. تولى كل ذلك تسطيحه كشخصية. لكن في الوقت نفسه، كان ذلك ما أنقذه، ما جعله يحيا. إلى المدى الذي كان مؤهلا لأن يحياه.

من حقيبة صور سائبة: صورة فوتوغرافية وهمية التقطت في أستوديو مدينة أتلانتك في وقت ما خلال الأربعينيات. كان هناك العديد منهم يجلسون محيطين بطاولة، التقطت كل صورة من زاوية مغايرة، لتظن للوهلة الأولى أنها مكونة من مجموعة من الرجال المختلفين. بسبب الأسى الذي يطوقهم، بسبب السكون المطبق في وضعياتهم، لكأنهم التموا ليعقدوا اجتماعا. وآنئذ، وأنت تتفحص الصورة، تبدأ بالتفطن إلى أن هؤلاء الرجال كلهم هم نفس الرجل. يضحي الاجتماع اجتماعا حقيقيا، لكأنه ذهب للأستوديو فقط ليستحضر نفسه، ليجتلب نفسه عائدة من الفناء، لكأنه، عبر مضاعفة نفسه، جعلها تحتجب سهوا. هناك خمسة منه هناك، إنما طبيعة الصورة الوهمية تجحد إمكانية التواصل البصري بين شتى الأنفس. كل واحد منهم محكوم بالحملقة نحو الفراغ، كأنه في طرف أبصار الآخرين، لكنه يرى سدى، ليس مؤهلا أبدا لرؤية أي شيء. إنها صورة للردى، بورتريه لرجل غير مرئي.

بأناة، أقترب من الإحاطة باستحالة المهمة التي نذرت نفسي لها. لدي توجس يدفعني للذهاب باتجاه آخر، لكأنني عرفت مسبقا ما أردت قوله، لكن كلما تقصيت أكثر، تأكدت أكثر بأن الدرب المؤدي لضالتي ليس موجودا. علي أن أبتكر الطريق في كل خطوة، ذلك يعني أنني لن أطمئن أبدا لمكاني. شعور بالسير في دوائر، بتتبع تراجعي أبدي، بالسفر لأكثر من وجهة في نفس اللحظة. وحتى لو أنني احتلت وحققت بعض التقدم، فلست بواثق مطلقا من أن ذلك سيقودني إلى حيث أظن نفسي ذاهبا. بمجرد أن تطوف في صحراء، لا يعني أن هناك أرضا موعودة.

عندما هممت بالبدء، خطر لي أنها ستحضر تلقائيا، كانبثاق الإغماءة. حاجتي للكتابة كانت جبارة حتى ظننت أن القصة ستكتب نفسها. لكن الكلمات تقبل بتباطؤ لغاية الآن. حتى في أحسن الأيام لم أكن صالحا لكتابة أكثر من صفحة أو صفحتين. بدا كانني مفجوع، ملعون بفشل ذهني يوقفني عن التركيز في ما أقوم به. مرة تلو الأخرى، رصدت درب أفكاري يمتد مبتعدا عن ما هو أمامي. بمجرد أن أفكر في شيء حتى يتداعى منه شيء آخر، ثم شيء آخر، حتى تتراكم مجموعة من التفاصيل الكثيقة تجعلني أشعر بالاختناق. لم أكن من قبل مدركا تماما للصدع بين التفكير والكتابة. في الأيام القليلة الماضية، بالفعل، بدأت أتوجس من أن القصة التي أحاول البوح بها، بطريقة ما، متعذرة على اللغة، كأن ما بلغته في ضديتها للغة هو مقياس دقيق للمسافة القريبة التي أكون عليها من البوح بما هو هام، ومتى ما جاءت تلك اللحظة لأقول فيها شيئا واحدا مهما (على افتراض وجوده)، لا يكون بمستطاعي الجهر به.

كان لدي برهان على جرح، أستشف الآن كم هو سحيق جدا. و بدلا من أن تشفيني كما ظننت أنها ستفعل، الكتابة أبقت على الجرح فاغرا، وفي غير مرة، أشعر بألمها ينبض في يدي اليمنى، لكأن في كل مرة ألتقط فيها القلم وأرص به على الورقة، تتقطع يدي. عوضا عن دفن أبي بدلا عني، هذه الكلمات صانته حيا، ربما أكثر من أي وقت مضى. أنا لا أشاهده فقط كما كان، و لكن كما هو، وكما سيكون، وهو يشن غاراته من هناك كل يوم على ظنوني، ينشلها مني دون إنذار: يتمدد في التابوت، تحت الأرض، لا يزال جسده سليما، أظافره و شعره في نمو مستمر. أشعر بأنني لو أردت استيعاب أي شيء، فعلي إذن أن أنفذ خلال هذه الصورة من الظلام، علي أن أدلف من العتمة المطلقة للأرض.

كينوشا، ويسكونسون، 1911 أو 1912، لم يكن حتى واثقا من التاريخ. في فوضى عائلة كبيرة مهاجرة، لا تعتبر سجلات الولادة أمرا ملحا للغاية. ما يهم هو أنه الخامس من بين خمسة أطفال ناجين -فتاة وأربعة صبية، ولدوا جميعا خلال ثماني سنوات- وتلك هي أمه، ضئيلة، امرأة مفترسة بالكاد تتحدث الإنجليزية، حافظت على شمل العائلة. كانت الحاكمة، الدكتاتور المستبد، المحرك الذي لا يتحرك واقفا في مركز الكون.

توفي والده في عام 1919، مما يعني أنه فيما عدا طفولته المبكرة لم يكن والده بجانبه. سرد لي أثناء طفولتي ثلاث قصص متباينة عن موت أبيه. في الصيغة الأولى، كان قد قتل في حادثة صيد. في الأخرى، سقط من السلم. وفي الثالثة، أردته رصاصة أطلقت عليه إبان الحرب العالمية الأولى. عرفت أن هذه التعارضات لا معنى لها، لكنني افترضت أن مفادها هو أن أبي نفسه لم يكن عالما بالحقائق. بسبب أنه كان يافعا جدا وقت حدوث ذلك- في السابعة وحسب- قدرت أنه لم يعط أبدا القصة الصائبة. لكن مع ذلك، لم يتكون عندي أي تصور مقبول أيضا. أحد إخوته قام حتما بإخباره.

إلا أن أبناء عمومتي جميعهم، أخبروني أنهم أيضا رويت لهم تفسيرات عديدة عن طريق آبائهم.

لا أحد على الإطلاق قام بذكر جدي. وإلى سنوات قليلة مضت، لم أكن قد رأيت له صورة قط. بدا الأمر وكأن العائلة اتخذت قرارا بالتظاهر بأنه لم يكن موجودا أبدا.

ضمن جملة الفوتوغرافات التي عثرت عليها خلال الشهر الآنف في منزل أبي، صورة عائلية تعود لأيام النشأة المبكرة في كينوشا. كل الأبناء هناك. أبي، لم يكن عمره أكثر من عام واحد، ملتما في حضن والدته، والآخرون الأربعة يقفون حولها بين أعشاب طويلة وغير مشذبة. هناك شجرتان خلفهم ومنزل خشبي ضخم خلف الأشجار. عالم برمته يبزغ من هذه الصورة العائلية: زمن منفرد، مكان مختلف، وإحساس بماض لا يمكن تعيينه. عندما نظرت للصورة أول مرة، لاحظت أنها قد مزقت من المنتصف، ثم أعيد لصقها بطريقة غير متقنة، تاركين إحدى الأشجار في الخلفية معلقة في الجو. حسبت أن تمزيق الصورة كان حادثا ولم أمعن النظر فيه أكثر. لكن حين نظرت للصورة مرة ثانية، تفحصت هذا التمزق عن كثب، واكتشفت أمورا لا بد من أنني كنت أعمى لتفويتها سابقا. رأيت رؤوس أصابع رجل تتشبث بجذع أحد أعمامي؛ رأيت، بشكل جلي، أن أحد أعمامي أيضا لم يكن يسند ذراعه على قفا أحد إخوته كما ظننت في البداية، ولكن على مقعد لم يكن هناك. وأدركت آنئذ ما الذي كان غريبا في الصورة: تم قص جدي منها. كانت الصورة مشوهة لأن شطرا منها قد تمت إزالته. جدي كان يجلس على مقعد إلى جانب زوجته وأحد أطفاله واقف بين ركبتيه وهو لم يكن هناك. ليس إلا أنامله ما تبقى: لكأنه يحاول الحبو عائدا للصورة من جحر عميق في الزمن، لكأنه نفي إلى بعد آخر.

الأمر برمته جعلني أقشعر.

علمت بقصة موت جدي قبل برهة من الزمن. لولا مصادفة عجيبة، لبقيت مجهولة للأبد.

في عام 1970 سافرت إحدى بنات عمومتي إلى أوروبا في إجازة مع زوجها. وجدت نفسها في الطائرة تجلس بجانب رجل عجوز، وكما يفعل الناس غالبا، يبدأون الأحاديث بشكل عفوي ليزجوا الوقت. اتضح أن هذا الرجل قد عاش في كينوشا، ويسكونسون. استأنست ابنة عمي بهذه المصادفة وأشارت إلى أن والدها قد عاش هناك وهو صبي. وبدافع الفضول، سألها الرجل عن اسم عائلتها. حين أخبرته «أوستر»، تغير لونه. أوستر؟ ألم تكن جدتك امرأة قصيرة مجنونة وبشعر أحمر، هل كانت كذلك؟. بلى، إنها جدتي، أجابت ابنة عمي. امرأة قصيرة مجنونة وبشعر أحمر.

وعندها أخبرها بالقصة. جرت أحداثها قبل أكثر من خمسين عاما، غير أنه لا يزال يتذكر التفاصيل البارزة.

حين عاد هذا الرجل لمنزله بعد الإجازة، تتبع مقالات الجرائد التي ارتبطت بالقصة، أخذ لها صورا ثم أرسلها لابنة عمي. كان هذا خطاب تقديمه لها:

الأعزاء..

كان من الجيد استلام رسالتكم، فعلى الرغم من أن المهمة قد بدت معقدة، حالفتني ضربة حظ. خرجنا أنا وفران لتناول العشاء مع فيرد بلونس وزوجته، وكان والد فيرد من اشترى مبنى الشقق في البارك آفينيو من عائلتك. السيد بلونس أصغر مني بثلاث سنوات على أكثر تقدير، لكنه ادعى أن القضية (في ذلك الوقت) قد أسرته و هو يتذكر إلى حد كبير بعض التفاصيل. لقد أكد بأن جدك كان أول شخص يدفن في مقبرة اليهود هنا في كينوشا.

(قبل 1919 لم يكن لليهود جبانة في كينوشا، لكنهم يدفنون أعزاءهم إما في شيكاغو أو ميلووكي). بهذه المعلومة، لم أجد صعوبة في تحديد البقعة التي دفن فيها جدك.لذا، تمكنت من تحديد التاريخ. بقية الأشياء في المصورات التي أبعثها لك.

أطلب منك فقط ألا يعلم والدك أبدا بهذه المعلومات التي أمررها لك. لا أريد له أن يصاب بالحزن أكثر مما عاناه سلفا.

أتمنى أن يلقي ذلك الضوء على تصرفات أبيك خلال السنوات الماضية.

أعز التحايا لكما،

كين وفران.





الحلقة 11 -  12 



مقالاتُ الصُّحُف تقبعُ على مكتَبي. و الآن، لأن وقتَ الكتابة عنها قد حان؛ أَجِدُني مُندَهشاً من نفسي إذ أنشَغلُ بأي أَمرٍ أستطيعه لأؤجّل الكتابة. ماطَلتُ الصّبَاحَ كُلّه. أخذتُ القُمامةَ إلى حاوية النفايات. لعبتُ مع دانيال في ساحة المنزل لساعةٍ تقريباً. قرأتُ جريدةَ هذا اليوم بأكملها_ إلى الأسفل تماماً حتى تلك الأسطُر من نتائج تدريبات الربيع لمباريات البيسبول. و إلى هذه السّاعة، و أنا أكتُبُ الآنَ عن نفوري من الكتابة، ألفَيتُ نفسي مُضطرباً بشكلٍ تعجيزيٍّ: بعدَ القليل من المُفردات، أقفزُ من مقعدي، أذرَعُ المكان، أُنصتُ للرّيح في الخارج و هي تخبطُ أعمدة المزاريبِ الفالِتَة بالمنزل. يُمكنُ لأضأل الأشياء أن يُشتّتني.

ما كان ذاك بسبب جَزَعي من الحقيقة. لستُ خائفاً حتى من قَولها. جدّتي قتلَت جدّي. في 23 يناير, 1919، ستون عاماً بالضبط قبل وفاة أبي، أمه أطلقت النار على أبيه و قتلته في مطبخ منزلهم في فيرمونت آفينيو كينوشا، ويسكونسون. لم تُضايقني الوقائعُ نفسُها أكثر مما كان متوقعاً. الأمرُ الصّعب هو رؤيتها في الصحافة_ قامت من قبرها، إذا جاز التعبير، في حَقل الأسرار و تحوّلت إلى قضيّة عامة. ثمّة هناك أكثر من عشرين مادّةٍ مُدوّنةٍ، أغلبها طويلة، و كلّها تعودُ لـ أخبار كينوشا المسائية. حتى في هذه الولاية التي بالكاد تقرأ، المحجوبة تماماً بسبب الهَرَم و الإيمان بأخطار التصوير، لا تزالُ لديها القُدرة على الصّعق. أفترضُ أنهم مثاليّون قياساً للصًّحَافَة في ذاك الوَقت، لكن هذا لا يجعلهم أقل إثارة. إنهم خليطٌ من الفتّانين و و المندفعين عاطفيّاً، و زِد على ذلك حقيقة أن المتورّطين هم من اليهود_ و بالتالي فهو مُستَغرَب، بحُكم المعرفة، مما وَهَبَ القصّة برُمّتها نَغمَةَ اشمئزاز و احتقار. و مع ذلك، لم تخلو القصة من العيوب، و يبدو أن الوقائع كلها هنا. لا أظن أنهم أوضحوا كل شيء، و لكن لا شك في أنهم أوضحوا الكثير. لا يُمكنُ لصبيٍّ أن يمُرّ في حياته بمثل تلك الظروف دون أن يتأثّر بها و هو رجُل.

في الحواشي حول المقالات، استطعتُ فقط أن أفُكّ مغاليقَ بعضَ القصص الأقل التي تناولتها الصُّحُف في ذلك الحين، أحداثٌ كانت أقرب لأن تكون منفيّةً مقارنةً بجريمة القتل. مثلاً: استعادة جُثّة روزا لوكسيمبورغ من قناة لاندوير. و مثلاً: مؤتمر السلام في فَرساي. و هكذا دواليك، يوماً بعد يوم، بينَ: قضيّة يوجين ديبس؛ خَبَر عن فيلم كاروسّو الأوّل (“الأحوال.. قيلَ بأن الحس الدرامي فيه عالٍ و أنه مليئٌ بما يُهيّجُ رِقّةَ القُلوب”)؛ تقاريرُ معارك الحرب الأهلية الروسية؛ جنازاتُ كارل ليبنخت و واحدٌ و ثلاثون عُضواً آخرين من تحالُف سبارتاكوس (“أكثر من خمسين ألف شخصٍ مشوا في موكبٍ كان طوله خمسة أميال. عشرون بالماءة تماماً من هذ الحشد يحملون أكاليلَ الزهور. لم يكُن هناك صِياحٌ ولا هُتافات “). تمّ التصديق على قرار وطني لحظر الكحول (“ويليام جينينغز براين- الرّجُل الذي جعل من عصير العنب مشهوراً- كان هُناك بابتسامةٍ عريضة”)؛ إضراب عُمّال النسيج في لورانس، ماساشوستس، بقيادة إتحاد عُمّال المصانع في العالم؛ اغتيال إيمليانو زاباتا، “ثائرٌ خارجٌ على القانون في جنوب المكسيك”؛ وينستون تشرشل؛ بيلا كون؛ بريمير لينين (خطأ غير مقصود)؛ وودرو ويلسون؛ ديمبسي يُلاكِمُ ويلارد.

قرأتُ من خلال المقالات عن الجريمة عشرات المرّات. مع ذلك، أجدُ صعوبةً في تصديق أنّها لم تَطرُق مناماتي. تترصّدُني بكُلّ قوّةٍ خادعةٍ في اللاوعي، مُحَرّفةً الواقع كما تفعل الأحلام. و بسبب أنّ العناوين العريضة للجريمة قد غَشَت على كُل ما عداها من أمورٍ حدثت للعالم في ذاك اليوم، فقد أولَتها الصحف اهتماماً ذاتيّاً يشبه ما نوليه من اهتمامٍ للأمور التي تجري في حيواتنا الخاصّة. إنها تبدو إلى حَدٍّ ما كاللوحات التي يرسُمُها الطفل حينَ يُعكّرُهُ خَوفٌ يتعذّرُ تفسيرُهُ: الشيءُ الأهم هو الشيءُ الأكبر. تسقُطُ الاحتمالاتُ في سبيل اتساق القصة_ تلك التي لا تُمليها العين، بل حاجاتُ المُخيّلة.

لم أُطالع هذه المقالات كتاريخٍ فقط، و لكن كرسوماتٍ كهفيّة تم اكتشافها في الجدران الداخليّة لجُمجمتي نفسها.

عناوين الصحف في اليوم الأول، يناير 24، تُغطّي أكثر من ثُلث الصفحة الأولى.

مَقتَل هاري أوستر

زوجتُه تحتجزُها الشرطة

__________

أحد أبرز مُديري العقارات سابقاً أُرديَ قتيلاُ

في مطبخ منزل زوجته

في ليل الخميس بعد مشاحنةٍ عائلية

حول المصاريف_ و امرأة.

__________

زوجةٌ تقولُ بأن زوجها قد انتحر

__________

رجُلٌ ميّت و رصاصةٌ تُدمي عُنُقه و أخرى في وِركه الأيسر

و زوجته تعترف بأن الطبنجة التي أُصيبَ بها

تعودُ ملكيّتها له_ طفلٌ في التاسعة من عمره، شاهدٌ على

المأساة، و قد يحملُ مفتاحَ اللُّغز.

__________

طبقاً للجريدة، “السيّد أوستر و زوجته قد انفَصَلا لبعض الوقت سابقاً، و أن هناك دعوى طلاق مُعلّقة في دائرة القضاء في كينوشا. لقد مرّوا بمشاكل حول المال في مناسباتٍ مختلفة. اختصموا أيضاً على حقيقة أن السيّد أوستر تجمعه صداقة (بشكل غير واضح) بفتاةٍ شابّة معروفة لزوجته تحت اسم “فاني”. و يُعتَقَد بأن أَمر “فاني” قد كُشفَ في المشاجرة بين السيّد أوستر و زوجته التي سبقت تماماً حادثة إطلاق النار…”.

و لأن جدتي لم تعترف إلّا في اليوم الثامن و العشرين، فقد كان الأمرُ مُبهماً بالنسبة لما حَدَثَ حقّاً. جدّي (و قد كان في السادسة والثلاثين من عمره) أتى إلى المنزل في الساعة السادسة مساءاً، و معه “أطقُمٌ من الملابس” لإبنيه الأكبرين، “و بالرغم من أن السيّدة أوستر صرّحت بأنها كانت في غرفة النوم لتضع سام، الإبن الأصغر، في مخدعه. سام [أبي] أكّدَ بأنه لم يرَ أًمّه تأخُذُ الطبنجة من تحت الفِراش و هو مطويٌّ في لحافه لبقيّة الليل.”

يَظهَرُ أنّ جدي قد ذهبَ بعدها إلى المطبخ ليُصلحَ مفتاحاً كهربائيّاً، و أنّ أَحَدَ أعمامي (ما قبل الأخير) كان يرفعُ له شمعةٌ ليُحسن الرؤية. “صَرَّحَ الصّبي بأن الذُّعرَ قد صَفَقَه عند سماعه لإطلاق النار و رؤيته لومضة الطبنجة، فَفَرّ من المكان”. طبقاً لأقوال جدتي، فإن جدي قد أطلق النار على نفسه. اعترفت بأنهما كانا يتخاصمان حول المال، “ثمّ قالَ، أكمَلَت حديثها، ’ستكون هناك نهايةُ إمّا لكِ أو لي‘ ثم هدّدني. لم أعرف بأن الطبنجة كانت بحوزته. لقد أبقيتها تحت فراش سريري و هو يعرفُ ذلك.”

بسبب أن جدتي لا تتحدث الإنجليزية إطلاقاً على وجه التقريب، أفترضُ بأن هذا التصريح، و كل التصاريح المنسوبة لها، كانت من اختراع المُراسل الصحفي. و مهما يكُن ما قالته، لم تُصدّق الشرطة أيّاٌ منه. “أعادت السيدة أوستر قصتها للعديد من مسؤولي الشرطة دون القيام بأيّ تحريفٍ مقصودٍ لها، و قد زعمت أنها على قدرٍ كبيرٍ من التعجُّب عندما أُخبرَت بأن الشرطة ستقومُ بحجزها. و بقَدرٍ كبيرٍ من الرقّة، قبّلَت سام الصغير وتمنّت له ليلةً سعيدة ثُمّ انصرفت لسجن البلدة.”

“طِفلا عائلة أوستر كانا ضيوفاً لقسم الأمن ليلة البارحة، ناموا في غرفة تجمُّع أفراد الشرطة، و بدا أن الصبيّين هذا الصباح قد تعافا تماماً من أيّ هَلَعٍ قد عانَوهُ نتيجةً للمأساة التي حدثت في منزلهما.”

و إزاءَ نهاية المقال، تُعطى هذه المعلومة عن جدّي. “تعودُ أصولُ هاري أوستر إلى النمسا. قَدِمَ إلى هذه البلاد قبل عدّة سنواتٍ مَضَت و سَكَنَ في شيكاغو، كندا، و كينوشا. هو و زوجته، طبقاً للقصة التي روتها الشرطة، عادا لاحقاً إلى النمسا، لكنها انضمّت إلى زوجها في هذه البلاد تقريباً في الوقت الذي انتقلوا فيه إلى كينوشا. اشترى السيّد أوستر عدداً من المنازل في الحَي الآخر، و لبعض الوقت كانت أعماله تمتدُّ إلى نطاقٍ واسع. لقد شيّد المبنى الكبير ذو الثلاثة طوابق في ساوث بارك آفينيو، و آخَرعُرِفُ بشقق أوستر في شارع ساوث إكسشينج. قبل ستة أو ثمانية أشهر، مَرّ بتقلُّبات ماليّة….”

“قبلَ حينٍ من الوقت، ناشَدَت السيدة أوستر الشرطة لمساعدتها في مراقبة السيد أوستر لزعمها أن لديه علاقة بفتاةٍ شابّة، و قد اعتقدت أنه يجب التحقيق فيها.” هكذا عرفت الشرطة لأوّل مرة عن أمر المرأة ’فاني‘ “.

“كثيرٌ من الناس شاهدوا السيّد أوستر و تجاذبوا معه أطراف الحديث في نهار الخميس، و صرّحوا بأنه كان سَويّاً و لم تظهر عليه أيّة علامة تدُل على رغبته في إنهاء حياته…”

اليوم الثاني كان استجوابُ هيئة التحقيق. عمّي، كَونه الشاهد الوحيد على الحادثة، تم استدعاؤه ليُدلي بشهادته. “صبيٌّ صغيرٌ بعينين حزينتين، يُديرُ باضطرابٍ قُبّعة رأسه، كتبَ الفصل الثاني من لُغز مقتل السيّد أوستر عَصرَ الجُمعة… محاولاته لإنقاذ إسم العائلة كانت بشكلٍ تراجيدي مُثيرة للشفقة. مرّةً بعد أخرى، عندما يُسأل ما إذا كان والداهُ يختصمان، يقولُ ’كانا يتناقشان لا أكثر‘ حتى أخيراً، مُتذكّراً قَسَمهُ على ما يبدو، أضافَ ’و ربما يختصمان_ بشكلٍ بسيطٍ فقط.‘ ” تصفُ المقالةُ هيئة المحلفين بقولها “أثارت استغرابهم جهود الصبي للسّتر على أبيه و أُمّه”.

فكرة الانتحار كانت بشكلٍ جليٍّ لن تنطوي عليهم. في الفقرة الأخيرة من المقالة كَتَبَ المُراسل الصحفي ” تطورات مُذهلة لمّح إليها المسؤولون عن القضية.”

ثم جاءت الجنازة. مَنَحَت المُراسل المجهولَ فُرصةً لمُحاكاة إحدى الأساليب المعروفة لتمثيليّات المسرح الفيكتوري؛ الآن، لم تعُد الجريمة فضيحةً و حسب. لقد تحوّلت إلى مَلهاةٍ مُثيرة.

أرملةً بلا دموع على قبر أوستر

__________

مخفورةً بالشرطة، تحضُرُ السيّدة آنّا أوستر

جنازة زوجها، هاري أوستر، يوم الأحد

__________

“بعيونٍ جافَة، وبلا أدنى ملمَحٍ لعاطفةٍ أو أسى، قامت السيّدة أوستر، الموقوفة هنا لعلاقتها بالموت الغامض لزوجها، هاري أوستر، بالتواجد صباح الأحد، تحت الحراسة، في مراسم جنازة الرّجُل الذي حُجزَت لارتباطها بموته”

“لا في المُصلّى، حيث نَظَرَت لأوّل مرّةٍ منذ مساء الخميس للوجه الميّت لزوجها، ولا في المَدفَن، أبدَت السيّدة أوستر أيّة علامة ضعف. الإشارة الوحيدة التي أبدَتها لانكسارها تحت الإرهاق المروّع جرّاء هذه المِحنة، هي أنها بعد الانتهاء من الدفن، قد طلبت أن يُعقد لها مؤتمرٌ صحفيًّ بعد الظهيرة مع رف.م.هارتمان، قِسُّ تجمُّع بيناي زيديك.

“عندما تمّت المناسك، ضمّت السيّدة أوستر طوقها المصنوع من فراء الثعلب برزانةٍ حول عنقها، و أوعزت للشرطة أنها مستعدة للرحيل…”

“و بعدَ طقوسٍ شعائريّة قصيرة، تشكّلَ موكب الجنازة في شارع ويسكونسون. طلبَت السيّدة أوستر السماح لها بالذهاب للمقبرة أيضاً، و قد أَذِنَت لها الشُّرطةُ فوراً بما سألَت. بدت و كأنها مُنزعجةً لعدم توفير مركبةٍ تُقلُّها، ربما تذكّرَت ذلك الفَصلَ القصيرَ من الرّخاء البيّن، عندما كان ليموزين أوستر يجوبُ كينوشا…”

“امتحانُ المشاعر قد امتدَّ لوقتٍ طويلٍ جداً إذ أخذَ تجهيزُ القبر وقتاً إضافيّاً، و في تلك الأثناء، و هي تنتظر، قامت بمناداة سام، الصبيُّ الأصغر، ليجيء بجانبها، و ضمّت طَوقَ معطفه بإحكامٍ حول عنقه. حدّثته بخفوتٍ، و فيما عدا هذا الاستثناء، فقد كانت صامتة إلى ما بعد انتهاء المناسك…”

“هناك شخصيّةٌ بارزة في مراسم الدفن، سامويل أوستر، جاء من ديترويت، شقيقُ هاري أوستر. كانَ يرعى باهتمامٍ بالغٍ الصِّبيَةُ الصغار و يواسيهم في حُزنهم”

“في مَظهره و تصريحاته، ظَهَرَ سامويل موجوعاً جداً لفقد أخيه. أبدى بوضوحٍ عدم تصديقه لفرضيّة الانتحار و نَبَسَ بتعليقاتٍ لهذا مذاقُ اتهام الأرملة بما حدث…”

” القِس رف.م.هارتمان، ألقى موعظةً بليغةً عند القبر. كان يندُبُ حقيقة أن أوّل شخصٍ يُدفَنُ في هذه الجبّانة البِكر هو واحدٌ ماتَ نتيجة العنف و قُتِلَ في أَوجِه. لقد أثنى على أعمال هاري أوستر و استنكرَ موته المبكّر.”

“لم تُحرِك الأرملةُ ساكناً من ثناء القِس على زوجها الميّت. فتحت معطفها بدون اهتمام ليستطيع البطرِيَرك أن يُحدِثَ شقّاً في سُترتها المَشغولة، إشارةٌ رمزيّةٌ للحُزن مسنونةٌ في الديانة العِبرية.”

“المسؤولون في كينوشا فشلوا في إسقاط شُبهة أن السيّد أوستر قُتل بأيدي زوجته….”

جريدةُ اليوم الثاني، 26 يناير، حملَت أخبار الاعتراف. بعد اجتماعها بالحاخام، طلبَت انعقاد مؤتمرٍ مع رئيس الشرطة. “عندما دَلَفَت القاعة، ارتعدت قليلاً و ارتبكت بوضوحٍ عندما قام رئيس الشرطة بتقريب الكرسي لها. ’أنتِ تعرفين مالّذي أخبرنا به صبيُّك الصغير‘، بدأ الفصل الأخير عندما أدرك رئيس الشرطة أن اللحظة النفسية المناسبة قد حانت. ’لا تُريدين منّا الظّن بأنه يكذب علينا، هل تُريدين ذلك؟‘ و الأُم، بوجهها الذي استمرّ لأيّامٍ مُقنّعاً كي لا تُفصح عن الرُّعب الكامن خلفه، مزَّقَ مظهره الزائف، صارَ فجأةً رقيقاً، و بَكَت بسرّها الرّهيب. ’إنه لا يكذب عليكم أبداً؛ فكل ما قاله صحيح. لقد رميته بالرّصاص و أُريدُ أن أعترف.‘”

كان هذا بيانُها الرّسمي: “إسمي آنّا أوستر. أطلقتُ النار على هاري أوستر في مدينة كينوشا، ويسكونسون في اليوم الثالث والعشرين من يناير 1919. بعد الميلاد. تناهى إلى سمعي من الناس أنّني قد أطلقت ثلاثة رصاصات، لكنني لا أتذكر على وجه التحديد كم من الراصاصات أطلقتها ذاكَ اليوم. كان باعثي لإطلاق النار على المدعو هاري أوستر هو حقيقة أنه، المدعو هاري أوستر، قد قام بالإساءة إلي. كنتُ أقرب إلى الجنون عندما أطلقتُ على المدعو هاري أوستر. لم أفكّر أبداً برميه بالرّصاص، المدعو هاري أوستر، حتى اللحظة التي أطلقتُ فيها النارَ عليه. أعتقدُ بأن هذا هو المسدس الذي أطلقتُ به النارَ عليه، المدعو هاري أوستر. أُقدّمُ اعترافي هذا بحريّةٍ كاملة و دون إكراه.”

و يُتابع المُراسل، “على الطاولة المقابلة للسيّدة أوستر، وُضِعَت الطبنحة التي باستخدامها أُطلقَ النار على زوجها حتى الموت. عندما جاءت على ذكرها، تحسّستها بتردُّد ثم سحبت يدها بشكلٍ مُلفتٍ، مُنتفضةً من الرُّعب. و دون أن يتحدث، نحّى رئيسُ الشرطة المسدسَ جانباً و سألَ السيّدة أوستر ما إذا كانت مُهتمةً في إضافة أقوالٍ أخرى.”

“هذا كل شيء الآن.” ردّت برباطة جأشٍ. ’وقّعي لي هنا و سأضعُ علامتي بعدها.‘

“طلباتُها -عادت للحظةٍ لأسلوب الأثرياء- تمّت إجابتُها، أكّدَت بأن هذا هو توقيعها، ثم سألَت أن تؤخذ لزنزانتها.”

في ترتيبات اليوم الثاني، قام محاميها بتقديم استئناف بأنها غير مذنبة. “مُلفّعةً بمعطفٍ مخملي و وشاحٍ من فراء الثعلب، دخلَت السيّدة أوستر قاعةَ المحكمة… ابتسمَت لصديقةٍ لها من بين الحضور و هي تأخذ مجلسها عند طاولة وكيلها.”

و بحضور الصّحَفي نفسه، كانت جلسة الاستماع “خالية من الأحداث”. و مع ذلك، لم يستطع مقاومة إبداء هذه الملاحظة، “وقعت حادثةٌ أثناء عودتها إلى الزنزانة، مما طرحَ تعليقاً على حالة السيّدة أوستر الذهنيّة”.

” امرأةٌ موقوفة بتهمة علاقتها برجُلٍ متزوج، تمّ جَلبُها للسجن لحَبسها في زنزانةٍ مُحاذية”. عند رؤيتها، سألت السيّدة أوستر عن هويّة القادم الجديد و عَلِمَت بحيثيّات قضيّتها.”

“يجبُ الحُكم عليها بعشر سنوات،” قالَت، و الباب الحديدي ينغلقُ عليها بلا رحمة، ” كانَت امرأةً من نفس هذا الصنف، مَن تسبّبَت بوجودي في هذا المكان”

بعدَ بعض النقاشات القانونية المعقدة حول كفالتها و التي تمّ نَشرُها بإسهاب في الأيّام القليلة التالية، اُطلِقَ سراحُها. ” ’هل لديكم فكرة بأن هذه المرأة قد لا تحضر للمحاكمة؟‘ سألتَ المحكمةُ مُحامي الدفاع. كان المحامي بيكر من أجاب: ’أين يُمكنُ لامرأةٍ برفقة خمسة أطفالٍ كهؤلاء أن تذهب؟ إنها متشبّثةٌ بهم و تستطيعُ المحكمة رؤية أنهم متشبّثون بها.‘ “







الحلقة 13 -  14 



لأسبوع، كانت الصحافة هادئة. ثم، في الثامن من فبراير، نشر خبر عن «التأييد الرائج لأسباب القضية، والمنشور في صحف باللغة اليهودية في شيكاغو. بعض هذه الجرائد حملت أعمدة تجادل قضية السيدة أوستر وتصرح بتأييدها القوي للجنة الدفاع».

«بعد ظهر الخميس، جلست السيدة أوستر مع أحد أبنائها في مكتب محاميها فيما كانت مقاطع من تلك الأعمدة الصحفية تقرأ بصوت عال. أجهشت كطفلة عندما بدأ المترجم قراءة محتوى تلك الأعمدة للمحامي».

«صرح المحامي بيكر هذا الصباح بأن الدفاع عن السيدة أوستر سيكون شكلا من الجنون العاطفي».

«من المتوقع أن تكون محاكمة السيدة أوستر واحدة من أكثر محاكمات الجرائم إثارة على الإطلاق في دائرة محاكم مقاطعة كينوشا، ومحور القصة الإنساني الذي أبرزه محامي دفاع المرأة إلى الآن، من المحتمل أن يتطور خلال المحاكمة».

ثم لا شيء لشهر. في العاشر من شهر مارس، كانت عناوين الصحف:

آنا أوستر حاولت الانتحار

جرت محاولة الانتحار في بيتربورو، أونتاريو في 1910 بتناول حمض الكربوليك وإطلاق الغاز في المكان. قام المحامي بعرض هذه المعلومة أمام المحكمة ليضمن تأجيل المحاكمة لوقت يكفيه لجمع الإفادات. «اعتقد المحامي بيكر أن المرأة بمحاولتها للانتحار قد عرضت أيضا حياة اثنين من أطفالها للخطر، وأن قصة محاولة الانتحار هذه مهمة كونها توضح الحالة الذهنية التي تعاني منها السيدة أوستر».

في السابع والعشرين من مارس، تم تأجيل المحاكمة حتى السابع من أبريل. بعدها، أسبوع من الصمت. ثم، في الرابع من أبريل، بينما كانت الأمور تأخذ في الركود، حدث تطور جديد.

سامويل أوستر يطلق النار على أرملة أخيه

«سامويل أوستر، شقيق هاري أوستر.. قام بمحاولة فاشلة للانتقام لموت شقيقه فقط اليوم بعد العاشرة صباحا عندما أطلق النار على السيدة أوستر.. حدث إطلاق النار قريبا من بقالة ومخازن ميلر….»

قام سامويل بتتبع السيدة أوستر حتى باب البقالة، وأطلق عليها النار لمرة واحدة. على الرغم من أن السيدة أوستر لم تصب بشيء، إلا أنها انهارت على الرصيف، بينما عاد سامويل للبقالة قائلا بشهادة الشهود، «حسنا، أنا سعيد بما فعلت». ثم انتظر بهدوء ليتم اعتقاله…

«في مخفر الشرطة.. كان سامويل منهار الأعصاب تماما، وأوضح سببه لإطلاق النار».

تلك المرأة، قال «قامت بقتل إخوتي الأربعة كلهم مع أمي. حاولت مساعدتها لكنها لم تسمح لي بفعل ذلك». ثم، أثناء ما كان يقاد إلى الزنزانة، بكى، قائلا «لكن الله سيأخذ حقي، أؤمن بذلك».

في زنزانته، صرح سامويل بأنه فعل كل ما بوسعه لمساعدة أطفال شقيقه المقتول. حقيقة أن المحكمة رفضت تعيينه كمسؤول عن عقارات أخيه لأن الأرملة لها حق فيها قد أثرت على قدراته العقلية مؤخرا.. «إنها ليست أرملة» علق على ما حدث صباح اليوم. «إنها مجرمة وينبغي ألا تملك أي حق….»

«لن يستدعى سامويل إلى المحكمة فورا ليتسنى للتحقيق أن يكتمل. تدعي الشرطة بأن موت أخيه وأحداثا أخرى تبعتها قد شوشت على ذهنه وجعلته غير مسؤول عن تصرفاته. عبر أوستر عن أمله في أن يموت هو أيضا، وتم اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة لمنعه من إنهاء حياته».

صحيفة اليوم التالي كان لديها ما تضيفه: «بالأحرى، قضى سامويل ليلة ثقيلة في سجن المدينة. لأكثر من مرة وجده رجال الأمن ينشج في زنزانته وبدا في وضع هستيري….»

«تم التصريح بأن السيدة أوستر قد عانت من (أعصابها المنهارة) نتيجة الرعب الذي مرت به أثناء الاعتداء على حياتها يوم الجمعة، لكن أعلن بأنه سيكون بمستطاعها التواجد في المحكمة عندما ينادى على بدء المحاكمة في القضية المرفوعة ضدها مساء الاثنين».

بعد ثلاثة أيام، وصل المجلس إلى تصور عن القضية. مجادلا بأن الجريمة كانت عن سبق الإصرار والترصد، اتكأ المدعي العام بثقل كبير على شهادة السيدة ماثيوز؛ موظفة في بقالة ومخازن ميلر، وقد ادعت بأن «جاءت السيدة أوستر إلى البقالة في يوم الجريمة ثلاث مرات لاستخدام الهاتف. في إحداها قامت السيدة أوستر بالاتصال بزوجها وطلبت منه المجيء للمنزل كي يصلح الإنارة. قالت بأن السيد أوستر قد وعدها بالمجيء الساعة السادسة».

وحتى لو أنها طلبت منه المجيء للمنزل، لا يعني ذلك أنها عزمت على قتله فور وصوله هناك.

لم يكن هناك من فرق على أية حال. مهما كانت الوقائع التي حدثت، تمكن محامي الدفاع بدهاء من قلب كل شيء لمصلحته. كانت استراتيجيته هي أن يقدم أدلة عاطفية على صعيدين: في اليد الأولى، إثبات الخيانة من جانب جدي، وفي الأخرى، شرح تاريخي للحالة الذهنية غير المستقرة التي تعانيها جدتي – كل الأدلة تتعاضد لتقديم قضية مبررة للقتل «بسبب الجنون». سيؤدي المهمة أي من الجانبين.

كلمة المحامي بيكر في افتتاحية الجلسة كانت محسوبة لاستدرار أية أونصة ممكنة من الشفقة من هيئة المحلفين. «روى كيف أن السيدة أوستر شاركت زوجها في الكدح لبناء السكن والسعادة اللذين كانا من نصيبهما في كينوشا بعد أن عبرا سنوات عديدة من الشقاء.. (حينها، بعد أن جاهدا معا لبناء هذا السكن) أكمل المحامي بيكر.. ها هي تجيء امرأة فاتنة من المدينة وتبعد السيدة أوستر جانبا كممسحة. بدلا من توفير الطعام لعائلته، قام زوجها بوضع فاني كوبلان في شقة في شيكاغو. المال الذي ساعدت هي على جمعه كان ينثر على امرأة أكثر غواية منها، وبعد هذا الاعتداء، هل هناك أي شك بأن قدراتها العقلية قد تشتت وأنها للحظة واحدة فقدت السيطرة على حواسها».

الشاهد الأول للدفاع هي السيدة إيليزابث قروسمان، شقيقة جدتي الوحيدة، التي عاشت في مزرعة قريبة من برونسويك، نيو جيرسي. «قدمت شهادة باهرة، حكت ببساطة القصة الكاملة لحياة السيدة أوستر؛ منذ ولادتها في النمسا؛ وموت والدتها وهي في السادسة من عمرها فقط؛ وعن الرحلة التي جمعتهما معا لهذه البلاد بعدها بثماني سنوات؛ عن ساعات العمل الطويلة في حياكة القبعات والأغطية في أحد المحلات النسائية في نيويورك»، وكيف من خلال هذا العمل استطاعت امرأة مهاجرة جمع بضع مئات من الدولارات. روت عن زواج المرأة بالسيد أوستر بعد وصولها للثالثة والعشرين من عمرها فقط وعن مشاريعهما التجارية؛ عن فشلهما في دكان صغير للحلويات، وعن رحلتهما الطويلة إلى لورينس، كانساس، أرادا المحاولة مرة أخرى حيث ولد طفلهما الأول؛ عن عودتهما إلى نيويورك وفشلهما الثاني في مشروع تجاري انتهى بإفلاسهما التام وطيران السيد أوستر إلى كندا؛ حكت عن التحاق السيد أوستر بزوجها في كندا؛ عن أن السيد أوستر قد هجر زوجته وأبناءه الصغار وكيف أنه قال إنه يريد أن ’يشق طريقه بنفسه‘، و كيف أنه أخبر زوجته بأنه يقتطع خمسين دولارا من المصاريف لكي يتم العثور على مال كاف عند موته يكفي لدفنه بشكل لائق.. قالت بأنهما أثناء ما كانا يقطنان كندا، كانا يدعيان بالسيد والسيدة هاري بول.

«شرخ صغير في القصة لم يكن ممكنا ملؤه من قبل السيدة قروسمان، فتولى ذلك رئيس الشرطة السابقة آرشي مور، وآبراهام لو، كلاهما من مقاطعة بيتربورو، كندا. أخبر الرجلان عن انتقال السيد أوستر من بيتربورو وعن حزن زوجته. السيد أوستر، قالا، ترك بيتربورو في الرابع عشر من يوليو، 1909، وفي الليلة التالية وجد السيد مور السيدة أوستر في غرفة في منزلهم الرث تعاني من أعراض إطلاق الغاز في المنزل. هي وأطفالها كانوا يستلقون على فرش على الأرض بينما كان الغاز ينطلق من أربع عيون غاز مفتوحة. أخبر السيد مور عن عثوره بعدها على قنينة من حمض الكربوليك في الغرفة وأن بقايا من الحمض كانت على شفتي السيدة أوستر. تم نقلها للمستشفى، قال الشاهد، وكانت مريضة لعدة أيام. صرح الرجلان كلاهما برأيهما في أن السيدة أوستر قد أظهرت بلا شك علامات على الجنون أثناء محاولتها إنهاء حياتها في كندا».

شهود آخرون من ضمنهم الطفلان الكبيران، كل واحد منهما قام بتأريخ مشكلات العائلة المنزلية، قيل الكثير عن فاني، و عن المشاحنات المتكررة في البيت، «قال بأن للسيد أوستر عادة رمي الصحون وأواني الزجاج حتى أنه في إحدى المرات جرحت ذراع أمه بشكل سيىء للغاية وكان من الضروري الاتصال بطبيب ليعتني بها، صرح بأن والده كان يستخدم لغة دنسة و بذيئة مع أمه في تلك الأوقات…»

شاهدة أخرى من شيكاغو شهِدت بأنها لطالما رأت جدتي تخبط رأسها بالجدار في نوبات من المعاناة الذهنية، ضابط شرطة من كينوشا روى بأنه «في إحدى المرات رأى السيدة أوستر تركض بلا تحفظ في الشارع، أكد بأن شعرها كان بشكل أو بآخر منكوشا، وأضاف أنها كانت تتصرف كامرأة فقدت عقلها». دعي طبيب أيضا وأكد بأنها كانت ولا تزال تعاني من «هوس حاد».

شهادة جدتي نفسها استمرت لثلاث ساعات، «بين شهيق البكاء واللجوء للدمع، روت قصة حياتها مع السيد أوستر حتى وقت الحادثة.. وقفت السيدة أوستر لامتحان الأسئلة المقاطعة لها بشكل جيد، و قد رويت قصتها لأكثر من ثلاث مرات بنفس الطريقة تقريبا».

في محصلته «صنع المحامي بيكر نداء عاطفيا قويا لإطلاق سراح السيدة أوستر في خطبته التي استمرت حوالى الساعة والنص أعاد رواية قصة السيدة أوستر بشكل بليغ لعدة مرات، حركت كلمات المحامي السيدة أوستر نحو الدمع وامرأة من الحضور بكت أكثر من مرة أثناء ما كان المحامي يلون لوحة كفاح امرأة مهاجرة تسعى للمحافظة على بيتها».

فتح القاضي لهيئة المحلفين خيارا لحكمين قضائيين: مذنبة أو بريئة من الجرم، استغرقوا أقل من ساعتين ليشكلوا قرارهم، وكما ذكرت نشرة الثاني عشر من أبريل: «في الرابعة والنصف بعد ظهر اليوم، هيئة المحلفين في محاكمة السيدة آنا أوستر سلمت حكمها القاضي بأنها وجدت أن المدعى عليه ليس مذنبا».

الرابع عشر من أبريل، «أنا أكثر سعادة الآن مما كنت عليه لسبعة عشر عاما، قالت السيدة أوستر بعد ظهر السبت بينما كانت تصافح كل فرد من هيئة المحلفين بعد تسليمهم لحكمهم، طوال حياة هاري قالت لأحدهم: كنت قلقة لم ألتق أبدا بالسعادة الحقيقية، يؤسفني الآن أنه كان عليه الموت بيدي أنا سعيدة الآن كما كنت أرجو دائما أن أكون..»

«فور أن غادرت السيدة أوستر قاعة المحكمة، صاحبتها ابنتها وطفليها الأصغرين اللذان انتظرا بصبر في قاعة المحكمة حتى سلمت هيئة المحلفين حكمها الذي حرر أمهم..»

«كان سامويل أوستر في سجن البلدة، و بينما لم يكن بمقدوره استيعاب ما حصل، قال بأنه سيخضع لقرار المحلفين الاثني عشر..»

«في الليلة الماضية عندما سمعت بالحكم، قال في مقابلته على برنامج صباح الأحد: سقطت على الأرض، لم يكن بمقدوري تصديق أنها ستفلت حرة بعد قتلها لأخي وزوجها، ذلك كله كثير جدا علي، لا أفهم كيف، لكنني سأدع الأمور تسير الآن، حاولت مرة أن أصلح الأمور بطريقتي لكنني فشلت، ولا أستطيع أن أفعل شيئا الآن غير القبول بما وصلت إليه المحكمة»

في اليوم التالي، هو أيضا، أطلق سراحه، «سأعود إلى عملي في المصنع، قال سامويل للمدعي العام، ريثما أحصُل على أموالٍ كافية، سأرفع شاهدة حجرية على قبر أخي ثم سأسخر طاقاتي لمساعدة أبناء أحد إخوتي، الذي عاش في النمسا ومات مقاتلا في الجيش النمساوي»

كشف المؤتمر الصحفي هذا الصباح عن حقيقة أن سامويل أوستر هو أصغر الإخوة الخمسة أوستر، ثلاثة منهم قاتلوا مع الجيش النمساوي في الحرب العالمية وجميعهم سقطوا في المعركة.

في الجزء الأخير من المقالة الأخيرة عن القضية، نقلت الصحيفة أن «السيدة أوستر الآن تخطط لأخذ الأطفال والمغادرة نحو الشرق خلال أيام قليلة.. قيل بأن السيدة أوستر قررت القيام بذلك لنصيحة من محاميها، الذي أخبرها بأن عليها الانتقال لبيت جديد والبدء بحياة دون أن يعرف أي أحد عن قصة المحاكمة.

كانت أفترض، نهاية سعيدة على الأقل لقراء صحف كينوشا، المحامي البارع بيكر وبلا شك لجدتي، لم يذكر شيئا أكثر، بالطبع، فيما يتعلق بثروة العائلة أوستر، تنتهي الأخبار العامة عن العائلة بإعلان أنها ستنتقل للشرق.

ولأن أبي نادرا ما حدثني عن ماضيه، عرفت القليل فقط مما تبع ذلك، ولكن من خلال الأمور القليلة التي ذكرها، كان بإمكاني تكوين فكرة جيدة عن المناخ الذي نمت فيه العائلة.

مثلا، كانوا في تنقل دائم، لم يكن غريبا على أبي أن ينضم لمدرستين أو حتى ثلاث مدارس مختلفة في عام واحد، ولأنهم لا يملكون المال الكافي، صارت الحياة سلسلةَ مهارب من الملاك و الدائنين، في عائلة مغلقة على نفسها سلفا، حياة الترحل هذه سورتها تماما، ليس من أماكن ثابتة للعودة إليها: لا بيت، لا بلدة، لا أصدقاء يمكن الاعتبار بهم، العائلة مفردة فقط. كانوا تقريبا يعيشون في محجر. كان أبي هو الولد الصغير، واستمر طوال حياته وهو يكبر إخوته الثلاثة الأكبر سنا منه، عرف في طفولته باسم سوني، كابد من الربو والحساسية، كان جيدا في المدرسة، لعب في المباراة النهائية لفريق الكرة وركض مسافة الـ 440 لصالح فريق «المسار» في سينترال هاي، نيوارك. تخرج في السنة الأولى من الكساد الكبير، داوم في كلية القانون ليلا لفصل أو فصلين، ثم ترك الدراسة، بالضبط كما فعل إخوته من قبله.

تمسك الإخوة الأربعة ببعضهم. هناك شيء أشبه ما يكون بولاء القرون الوسطى لأحدهم تجاه الآخرين، وعلى الرغم من امتلاكهم لما يختلفون به عن بعضهم البعض، و بطرقٍ كثيرة حتى لكأنهم لا يشبهون بعضهم، إلا أنني أفكر فيهم ليس كأربعة أشخاص منفصلين، ولكن كعشيرة، صورة رباعية من التضافر، ثلاثة منهم (الثلاثة الأصغر) شبوا كشركاء عمل، وعاشوا في نفس البلدة، والرابع الذي عاش على بعد بلدتين منهم فقط، جعل مسؤول عن عمل يملكه الثلاثة الآخرون. كان يوما نادرا جدا ذاك الذي لم يلتق فيه أبي بإخوته، ويجري ذاك على حياته بأكملها: كل يوم لأكثر من ستين عاما.



التقطوا عاداتهم من بعضهم البعض، الاستعارات الأدبية، اللفتات البسيطة، متمازجون إلى درجة يستحيل معها معرفة أيهم كان المصدر لسلوك معين أو فكرة ما، لم تتزحزح مشاعر أبي، لم يتكلم بشيء سيىء عن إخوته. مرة أخرى، إنه الآخر معرفا لا بأفعاله، ولكن بمن هو، لو حدث أن أحد إخوته قد استصغره أو قام بفعل مستهجن، فسيرفض أبي بالرغم من ذلك إطلاق أي حكم عليه، إنه أخي سيقول، وكأن ذلك يفسر كل شيء، الأخوة كانت المبدأ الأول، المسلمة التي لا جدال فيها، السورة الواحدة والوحيد للإيمان، كالاعتقاد بالله، التساؤل حوله هرطقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق